عن ضرورة الإندماج

1٬513

بدأت علاقتي بالسفر إلى خارج المغرب مذْ كنتُ أبلغ من العمر واحدا وعشرين سنة، وهي العلاقة التي أصبحت تتوطد حتى أصبحت من الرسوخ والمتانة ما يجعلني أعتقد أنني سأظل أسافر إلى آخر الأنفاس؛ فقد أصبح السفر، بالنسبة لي، مصدرا من مصادر المعرفة واكتساب المزيد من التجارب، ومن ثم، تنمية شخصيتي بشكل أفضل.

في الواقع، كانت هذه هي المرة الأولى التي أستأنف فيها السفر ضمنَ مجموعة منظمة، وكان السفر في البدايات إلى تونس ومصر، وسني حينها لا يتجاوز عشرين أو واحدا وعشرين سنة. كان معظم الذين يشاركونني تجربة السفر حينها شبابا في مثل سني، ولم نكن نهدف من السفر إلا إلى التسلية والترفيه والمتعة. فلم يكن للجد من أسفارنا حظٌّ يُذكر، ولأجل ذلك، لم تكن المجموعة حينها، تواجه مشكل الانسجام والتوافق والاندماج. كما يقال “لكل جديد لذة” فكنا في بدايات اكتشاف السفر، منبهرين بالأسفار إلى مناطق جديدة من العالم.

مرّت تلك التجارب الأولى المنظمة، ثم أصبحت، فيما بعدُ، أسافر لوحدي، أو مع أحد الأصدقاء الذي يشاركني الاهتمامات نفسها كالتصوير والمطالعة والكتابة وإنتاج محتوى رقمي يحمل معنى من المعاني الهادفة. وكما هو بديهي، فإن طموحات الناس من السفر تختلف، لكن يبقى تعديل المزاج والبعد عن رتابة الحياة وضغوط العمل واكتشاف أمور جديدة من أهم الأهداف، وكل ذلك يتطلب ظروفا تُساعد على تحقيق القدر الأكبر من هذه الأهداف. لأجل كل ذلك أصبحتُ أفضل السفرَ وحيداً، أو مع شخص أو أشخاص لهم نفس الاهتمامات والمزاج، بل ونفس ومميزات نمط شخصيتي، كالتزام الصمت في أغلب الأحوال، والميل إلى العزلة، وحب قضاء الوقت في المآثر التاريخية والمتاحف.

إن الذي يميز هذا السفر المنظم لليابان أنه يجمع أشخاصاً من مختلف المشارب والتوجهات والاهتمامات، كما أن أعمارهم تتفاوت تفاوتا ملحوظا: فمنهم شباب في العشرينات لم يفهموا قوانين الحياة بعد، ومنهم شباب في السبعينات فهموا أن التجوال هو ما يعطي الحياة للحياة؛ من هؤلآء من لم يسافر قط خارج المغرب، ومنهم من سافر مراتٍ عديدة؛ وهم مختلفون كذلك من حيث الجنس والحالة العائلية، فمنهم الذكور والإناث؛ متزوجون وغير متزوجين؛ مغاربة مقيمون بالمغرب، وآخرون يعيشون خارج الوطن. وهذا التنوع في الأعمار والاهتمامات في سفر منظم إلى بلد معقد جدا وبعيد جدا، من شأنه أن يطرح بشدة قضية الانسجام والاندماج بين المجموعة.

وكي أكون صريحا، وجدتُ في هذا السفر تحديا شخصيا لاختبار قدرتي على الاندماج داخل المجموعة في بلد غامض كاليابان، وقد شكل درسا لي في الصبر على الناس، واحترام مزاجهم وتقلباته، وتقدير اهتماماتهم، وبذل غاية الجهد للتوفيق بين الاهتمامات المختلفة، لوضع برنامج يرضي الجميع ويمتع الجميع. والصبر في مثل هذا النوع من الأسفار لازم وضروري؛ إذ لا بد وأن هناك، في الغالب، من يتأخر، ومن لا يحب تمضية الوقت في بعض الأشياء كزيارة المآثر والمتاحف، أو التسوق أو غير ذلك. وفي مثل هذه الحالة يصبح الجمع بين الرغبات المختلفة أمرا عسيراً لا يتيسّر إلا بالكثير من الصبر.

في الحقيقة، ونحن في اليابان، كان لزاما علينا أن نستفيد من الدرس الياباني في الاندماج وفي إحداث تآلف بين التقاليد اليابانية الموروثة والقيم الغربية الرأسمالية الحديثة، والذي بفضله استطاعت أن تنفتح على العالم، وأن تساير الصناعة والتجارة العالميتين. وكأي اندماج لا بد من تكلفة وثمن، أنت تكسب بعض الأشياء وتخسر أخرى. فاليابان لم تحقق نهضتها الاقتصادية بدون ثمن، فهي خسرت أشياء كثيرة، فرغم أنها قوّت مقدرتها الإنتاجية في المجالين الصناعي والتجاري، إلا أنها تواجه مشاكل كبيرة، لعل أهمها مشكل المديونية العويص والضغط الإجتماعي الذي يعاني منه اليابانيون إثر تحوله إلى مجتمع إستهلاكي بإمتياز.

المطلوب إذن هو أن تكون المكتسبات أكبر وأهم من الخسائر، وهو ما نجده متحققا في الحالة اليابانية؛ فرغم ما ذكرتُ، ورغم أن الأفراد يجدون صعوبات جمة في التوفيق بين العيش على النمط الغربي والياباني الشرقي. ولكن مع ذلك فهذا الاندماج ناجح بشكل من الأشكال بالمقارنة مع باقي الدول، على الأقل على مستوى الظاهر، ذلك أن اليابان دولة قوية جدا في كل المجالات؛ فعلى المستوى الاجتماعي، البلد لا يواجه أية مشاكل، ليست هناك أية مظاهر عنف ظاهرة أو معدل جريمة مرتفع أو حروب أو إرهاب؛ وعلى المستوى السياسي، البلد مستقرة جدا، وهي في سياستها الخارجية تنأى بنفسها عن الحروب، ولا تنخرط في المشاكل العالمية الشائكة، فهي بلد محايد، وحروبها اقتصادية وعلمية بالدرجة الأولى؛ وعلى المستوى الثقافي، استطاعت اليابان أن تحافظ على الضروري من الهوية الثقافية الوطنية رغم الغزو الثقافي الغربي. وبالعودة إلى تجربتي في هذا السفر المنظم، فإن من أهم ما استفدته هو ضرورة الاندماج في هذه المجموعة المتنوعة وتقبل الآخر، و البحث الدؤوب عن إيجاد حلول وسطى للناس الذين تختلف رؤاهم للحياة واهتماماتهم، لضمان نجاح هذه التجربة، وأيضا للاحتفاظ بذكريات جميلة تستحق أن تُذكر. صحيح أن المجموعة كانت متنوعة، وكل واحد له عالمه وأفكاره الخاصة، لكننا استطعنا، بفضل التعاون والرغبة المشتركة، تجاوزَ هذه التحديات، بالتركيز على الأمور المشتركة، وأهمها الانتماء الوطني، والحرص على إعطاء صورة جميلة عن المغرب، وخلق أجواء جميلة من شأنها إمتاع الجميع وإسعاده. والتركيز على المشترك يصلح دائما لتجاوز ما قد يثيره الاختلاف من مشاكل في كل شؤون الحياة. وكذلك فعلت اليابان، فرغم أنها تضم ديانات متعددة، إلا أنها ركزت بالأساس على ترسيخ قيمة الوطنية، وهو الشيء المشترك بين كل اليابانيين؛ أعني انتماءَهم للوطن الواحد رغم اختلاف دياناتهم، فرسخوا قيمة حب الوطن والتضحية من أجل مصلحته، لكي تبقى اليابان قطبا اقتصاديا عالميا ومنافسا قويا لكل الاقتصاديات الكبرى.

وهذه القيم هي التي تجعل اليابان موحدة بكل فئات شعبها، وقوية باقتصادها، ومندمجة في محيطها، بل وفي العالم أجمع. وفي النهاية، فإن لكل تجربةٍ خصوصيتها ومتعتها وفوائدها، والسفر مع مجموعة من الناس لا بد وأن يختلف عن السفر منفردا، من حيثيات مختلفة، لكن يبقى جوهر السفر متحققا؛ فهو وسيلة لتجديد الحياة في داخلك، واختبار العالم من حولك، وتنمية جوانب جديدة في شخصيتك.