بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ…

370

بدأ ينتاب معظم أصحاب الهممِ من الشباب اليأسُ حيال ما يصير في عالمنا العربي، دكتاتورياته، واستبداده، وفساده، وظلمه وقهره، وليس هناك ما هو أعظم من قهر الرجال.
لقد شهدنا ما خلَّفته السلط المطلقة والجائرة من اعتقالات واغتيالات وسرقات للممتلكات من دون وجه حق باسم الدين والإصلاح، وتاريخها يقر بخياناتها للأمة وبيعها لقضايا الشعوب الحساسة لصالح قيام حكمها أو دوامه بحماية الأعداء، فاقتنع أغلب الذين ثبتوا وحافظوا على فطرتهم الكريمة والحرة، بأنه مهما علا شأنهم ومهما حققوا من نجاحات وتطور ومشاريع نهضوية، ستأتي قوة جائرة لتسلبهم كل شيء باسم القانون وعدالته المفترضة.

حياة يظن معظمنا أنها تصيب بالوهن وتقيد اليدين والتفكير، تجعل كل فرد يبحث عن حل يخلصه من سجن فرض عليه، يمنعه من الحلم والارتقاء والتطور؛ حيث أصبح حقه في الطموح تهديدا لحريته ولحياته.

فإذا تأملنا واقعنا سنجده مدعوما بقوى خارجية لضمان مصالحها، وسنجد أن كل خطوة لتغيير الوضع ستواجَه بدعم خارجي للخائن الذي يحفظ أمنها، والعجب أن هذه القوى هي التي تنادي بالحريات والديمقراطية لنيل رضى شعوبها، لكن مهما كانت الأوضاع فإن من يؤمن باليوم الآخر لن يدفعه هذا إلى الاستسلام واليأس والرضوخ والطاعة: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}، فيجب عدم القبول بأي شكل من أشكال الظلم والباطل ومواجهته حتى آخر نفَس.


فوسط كل هذه الأحداث، وهذا الكم من الضياع والحيرة، لا بد من الرجوع إلى دليل به تفصيل كل شيء، {بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}، فوضح الله في كتابه كيف أن أنبياء مكلفون بالإصلاح والتبليغ ، وأشخاصا مؤمنون بقضاياهم وأفكارهم، خرجوا من أوطانهم لإتمام رسالاتهم، ولم يكن خوفا أو هروبا فهم يوقنون بأن الله خير وأبقى، بل حكمة وتخطيطا لإنقاذ البشرية التي ستسير على خطاهم من بعدهم، فقد كان لابد من التخلص من صاحب السلطة المانع لأي تغيير يهدد عرشه الهاوي وفساده الذي غلفه بغلاف ديني وإصلاحي بعد أن صدق كذبته، ولنا في قصة موسى التي غلب ذكرها في القرآن أكبر مثال، خروج يهدف إلى إنشاء مجتمع متماسك تسوده القيم والأخلاق، فقادوا أمما بعيدا عن أوطانهم، ليعودوا لإصلاحها بقوة حكيمة، فهدفهم إعلاء كلمة الحق وهداية البشرية وليس الحصر والانطواء داخل مجتمع أو بقعة.

وفي قصة خاتم المرسلين الحكمة البالغة، فلاستمرار رسالته أمر صحابته بالذهاب إلى ملك لم يكن مؤمنا به، لكنه كان ملكا لا يظلم عنده أحد، ثم بعد ذلك بالهجرة إلى المدينة، تاركا وطنه وبيت الله، مُوليا الأهمية لنشر الخير والسلام بين العالمين، وإنشاء مجتمع يقوم على العدل واحترام الحريات، يضمن حقوق كل فرد من أفراده وكرامته، فقد قدم الله الدفاع عن البشرية على خدمة حجاج بيته فقال: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}، فبعد الهجرة تَمّ بناء مجتمع واعٍ ومساوٍ بين الجميع، يُعلمهم أن لا فرق بينهم وأن الحكم لله وحده. فاتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم مسكنه في المدينة التي انطلقت منها رسالته حتى بعد فتح مكة، ودفن بها في إشارة إلى أن الوطن الحقيقي هو الذي يحمي فكر الإنسان ويحترم حريته ويزكيه، فصارت ذكرى هجرته بداية سنة جديدة لكل من آمن به إلى يوم الدين.

لقد نهى الله البشر عن الاستسلام لأمر الواقع والتحول إلى نموذج خاضع وراض بوضعه، مغير لفطرته التي تحثه على العمل والتغيير والاستخلاف والحرية والتفكير، ووصفهم بالظالمين أنفسهم فقال: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} واستثنى المستضعفين الذين لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلا.
هِجْرات بعض الرسل مكَّنتهم من الوصول إلى القيادة باختيار من اتبعهم لصدقهم وأمانتهم، بعيدا عن السلطة الجائرة والمقيدة، مُتبعين منهج ربهم المخاطب للعقل والفطرة كما أمرهم بقوله: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}، فكانت بداية الطريق نحو الإصلاح بالحجة وليس الإكراه، في أرض تسمح بالقيادة لذوي الكفاءة، تضمن حقوق الشعوب في تحديد مصيرها والتعبير والاختيار، وتحترم الفكر والحريات والاختلاف، فاستطاعوا تكوين قوة مكنتهم من التأثير على أغلب الأمم، وسادت رسالتهم بين العالمين.

استغل بعض رواد الحركة الصهيونية الهجرة فكونوا اقتصادات عظيمة ساعدتهم على بلوغ مراكز القرار والتحكم في سياسات الشعوب بهدف تحقيق مساعيهم، لكن، بالتخطيط والتفكير والعمل وليس بالخضوع وانتظار المعجزات، ستنتهي مزاعمهم كما وعد الله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}.
إن من يؤمن بالله واليوم الآخر يسعى إلى الارتقاء بنفسه بما يناسب كرامته، بما يحفظ حريته ويجعل منه خليفة الله في أرضه، لا يبيع عقله ولا فطرته ولا يرضى بمبدأ ولا بعقيدة مشوَّهة تُقلل من قيمته كمخلوق كرَّمه الله، فلا يركن إلى الذين ظلموا ولا يكون من الظالمين، ليجد الأمن وتتحقق له الهداية كما قال الله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}، فكانت رسالة الله إلى العالمين لضمان حياة كريمة للناس كافة.