فما بكت عليهم السماء والأرض

389

حين تراها للوهلة الأولى تطل عليك كعروس حسناء تشرف من نافذة قصرها والسماء مرصعة بالنجوم مبعثرة كقلائد من الجمان، والقمر مضيء بدرا منيرا، أولئك الذين منحهم الله نفسا جميلة شعرية تعشقها القلوب وتشرئب لها النفوس وتهفو لها الأحلام وتقوم لهم في كل موقف ومقام، أرواح مختلفة عن باقي البشر،وضع الله في قلوبهم قبسا من نوره وبثهم عبر الأزمان والقرون ليشُقُّوا طريقهم وينشروا نوره أينما حَلُّوا وارتحلوا، أصحاب الوحي الإلهي الذي ينزل على نفوس الملهمين من البشر تلك القوة المسيطرة التي تهيمن على العالم، وتحيط به من جميع أقطاره دون أن يدرك أحد قيمتها إلا بعد رحيلها.

كل شيء فيهم عفوي وتلقائي، مما يزيد من مصداقية مشاعرهم وشفافية قلوبهم وصفاء أصواتهم التي تخترق الجلد والعظم وترتد كصدى جميل يزهر في الكيان، هي أرواح قد تجرعت من شهد هذه الحياة، ثم مَضت وانتقلت في الخالدين، فكان مِن بينها أرواحٌ عظيمة خَلدَت آثارًا نُقشت على صَفَحاتِ الزمان والمكان؛ حيث جعلت من جودة الأداءِ دليلًا، ومن الإخلاص وإتقان العملِ سبيلًا، ومن الإحسان منهجًا، فباتت معالِمُها ظاهرةً ترويها مَصفُوفَات منطقية لطيفة.. ابتسمت وأشعلت النور؛ لتقرأ حروف كتاب الأثر الجميل من مكتبة الأرواح.

جميلو الروح يا سادة، تكون جاذبيتهم طاغية لا يفعلون أشياء كثيرة ولكنهم يربِكون القلوب بدرجه كبيرة، الجميلون قلباً يعشقون الفرح بكل أبجدياته يتناغمون مع إيقاعات البهجة في كل حالاتهم؛ لأنهم يدركون أنّ القوة تكمن في السعادة، هم أناس رائعون يقدمون أجمل ما لديهم ويغادرون بهدوء ليعودوا محمّلين بالأروع! شغفهم ينحصر في الجمال والعطاء لذلك لا يستأذنون أحدا.

في حياتنا، لكل منا نبراسه؛ أشخاص ينيرون طريقه سواء أكان عالما أو أستاذا أو صديقا؛ وأعظم نور هو رسولنا الكريم الذي اجتمعت فيه مكارم الأخلاق،  الصدق والأمانة والحياء والوفاء…ويتجلى أثر الشخص من حيث الأعمال التي يقدمها في حياته قبل مماته، لذالك فإن رصيدنا في الحياة الدنيا هو أعمالنا لقوله عز من قائل في كتابه الكريم: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12] يكتُبُ آثار الخير وآثار الشر التي كنت يومًا ما أنت سببًا في صُنعها سواء في حال حياتك أو بعد مماتك، يكتُب الله الأعمالَ التي نشأت من أقوالك وأفعالك وأحوالك، فكل خيرٍ تعمله؛ مِن نشرِ علم نافع، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر أو برّ الوالدين، أو صلة الأرحام، أو التعلق بالمساجد، أو إلقاء لتحيّة والابتسامة ونشر مشاعر الودّ والبهجة والسعادة في النفوس فتتآلف وتحبّ بعضها البعض، أو إصلاح ذات البين، وذكر الله، فقد روى أبو داود عن أبي الدرداء -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: ((ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٌ لكم من إعطاء الذهب والورق، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال ذكر الله))، يكتبه الله تعالى لك وسيجزيك عليه.

لا تسأل عن الكمِّ ولا الكيف؟ فإنَّ الله إذا أراد لك أمراً فتح لك أبوابه، وصير لك جميع خلقه، وأتمه لك من حيث لا تدري، فألهمك من فعل الخيرات ويسر لك الأعمال الصالحة، من ذكر فكن مع الله ولا تخف: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْأَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]