أحلام الحنين للوطن … في قطر

357

حطّت الطائرة ذات مساء خريفي في الحادي والعشرين من سبتمبر عام 2016 بمطار حمد الدولي بالدوحة. ما إن وصلتُ بوابة الطائرة حتى لفَحَني هواء ساخن معلنا أنني نزلت بجزء من شبه الجزيرة العربية، ببقعة مؤثرة من العالم: قطر.
قدمتُ من مطار الدار البيضاء رفقة وفد من الطلاب المتجهين إلى الدوحة قصد إكمال دراسة الماجستير بمعهد الدوحة للدراسات العليا، في تخصصات متعددة.

لم أصدّق نفسي، ثلاثة أشهر قبل سفري، حين وصلتني رسالة على البريد الإلكتروني تعلمني أنه تم قبولي بالمعهد بمنحة امتياز شاملة، شأني شأن كل الطلاب الأجانب المقبولين بالمعهد من بين آلاف الطلبات بالعالم العربي وبعض بلدان أوروبا الشرقية وتركيا.
عندما التحقت بمعهد الدوحة للدراسات العليا، كنت أنتمي للدفعة الثانية لهذا المعهد الفتي. اليوم، المعهد يدرس دفعته الرابعة وهو على وشك تخريج دفعته الثالثة في يونيو 2019 بإذن الله.

استقررت في اليوم الذي تلا وصولي بفندق إزدان بقلب العاصمة الدوحة، رفقة جميع الطلاب، ريثما يكتمل بناء السكن الجامعي بحرم المعهد.
مرت الأيام بسرعة، وبدأت أكتشف الدوحة.. الأماكن، والأشخاص، والمواد، والكتب والمحادثات الفكرية مع طلاب ودكاترة من مختلف تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية.
قبل سفري إلى الدوحة، ترددت كثيرا، بسبب الصورة النمطية عن بلدان الخليج، حتى كدت أتخلى عن مشروع دراسة الماجستير هناك. لكن الرغبة في اكتشاف بلد آخر والتعمق في دراستي تفوقت على ترددي، فعقدت العزم على إنجاح هذه التجربة، مستلهمة إصراري من إيماني بالقدر ومستحضرة مقولة “سلطان العارفين” جلال الدين الرومي: “العشق نبع، فانغمر”. فكانت – ولا زالت – المعرفة عشقي وحب الاستكشاف دافعي.

الدوحة مدينة ليست ككل المدن، منسجمة في تناقضاتها، بهية في تطورها، معتقة في تراثها وتاريخها، ساحرة بأضوائها وببحر الخليج وبالصحراء الذهبية.
أول ما لاحظت خلال أيامي الأولى بالدوحة هو المناخ الحار؛ حيث لم أكن أستطيع التجول كثيرا في الشهرين الأولين، سوى ليلا، بمحاذاة الكورنيش أو بأماكن مكيفة، رفقة أصدقاء من مختلف بقاع الوطن العربي. معهم تعرفت على فلسطين؛ قضيتنا المركزية وأرض الشهداء الطاهرة، وتعرفت على اليمن والسودان وسوريا ومصر والكويت وتركيا ودول الجوار تونس والجزائر وليبيا، إلى جانب دول أخرى. وقد كان تعدد الجنسيات داخل المعهد من أهم العوامل التي أسهمت في إثراء هذه التجربة وتمييزها عن باقي التجارب.

في قطر، هذا البلد المحافظ، اكتشفت لأول مرة الانفتاح الأكاديمي الفكري وتمعّنت في نصوص أدورنو، وهوركهايمر، وسارتر، والجابري، وعبد الرحمن البدوي وغيرهم من عمالقة الفكر الغربي والعربي.
شهد المعهد انفتاحا فكريا وثقافيا متميزا يضاهي انفتاح أعرق الجامعات الغربية، إذا ما قسنا درجة الانفتاح الفكري بالعالم الغربي؛ حيث حرية التعبير متأصلة ومن المسلمات التي لا نزاع حولها (تقريبا)؛ فكانت جل المواضيع قابلة للنقاش والبحث، وإن لم تجد طريقا لذلك في ردهات المعهد، فإن الطلاب لا يفوتون فرصة نقاشها فيما بينهم بمنتهى الحرية والنباهة، فتختلف الآراء وتحتدم النقاشات، وقد تنتهي أحيانا بخصام، وأحايين أخرى بنوبات ضحك وسخرية من كل شيء ومن لا شيء..
في قطر، تحس على الدوام أنك مراقب، كاميرات في كل مكان، سيارات أمن تجوب الشوارع، حراس على كل البوابات، لكن لا أحد يتدخل في شؤون الآخر (في الأحوال الطبيعية).
تشعر بالأمان، ومع الوقت تتناسى وطأة المراقبة، دون أن تغيب عن ذهنك كليا…تحس برغبة في العودة لوطنك، حيث تنتمي، أو لقضاء عطلة في أوروبا، حيث الحرية شبه مطلقة ما دمت تحترم القانون، على الأقل لتشعر أنك حر وفقط، لكن شيئا ما يشدك إلى الدوحة، رغم الطابع المحافظ، ورغم المراقبة، ورغم الهدوء…ربما هو الأمن والاحترام السائدان في كل أرجاء المدينة، ربما هي العلاقات المتينة التي نسجتها مع أناس من أوطان بعيدة، العامل المشترك بينكم: الانتماء إلى هذه البقعة المسماة الوطن العربي، والغربة. صداقات لا تمحوها الأيام. قد تخفت مع الوقت لكنها تظل متَّقدة، تغذيها ذكريات الدراسة، والسمر، وأمسيات “سوق واقف”، والساعات الطّوال في كافتيريا المعهد…
كل اللهجات، كل الأفكار، كل المشاعر، كل الانتماءات، كل الطموحات… وطن واحد يجمعكم ويلم شملكم. تراودك، مجددا، أحلام الوحدة العربية، لكن سرعان ما تتذكرين نكسة 1967 وما آلت إليه أحوال الدول العربية من تفرقة وخصام، فتصحين.
يشدك الحنين للوطن مرة أخرى، فتظلين حائرة بين مكانين، بين مثابتين، بين حبين، فأيُّهما سيطغى؟