اليابان : الرحلة الكاملة

2٬277

إن المتابع للأدب العربي وتاريخه يجد أن الرحلة حظيت فيه بمكانة مرموقة، حتى انفرد بجنس أدبي مستقل سمي بأدب الرحلة؛ ويقوم على توثيق الكاتب لما شاهده من وقائع، وما عايشه من أحداث أثناء رحلته، بأسلوب سردي أدبي. وموضوعات أدب الرحلة ،الذي ألَّف فيه علماؤنا قديما، تتجاذبها عدة حقول معرفية، منها مقارنة الأديان، كما في كتاب “تحقيق ما للهند من مقولة” لمحمد البيروني، أو الجغرافيا كما في “تقويم البلدان” لأبي الفداء، أو جامعة بين فنون متفرقة كما في “الرحلة المغربية” المعروفة برحلة العبدري لمحمد العبدري الحيحي. ومن أشهر الكتب التي ألفت في هذا الجنس الأدبي في العصر كتاب “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” لرفاعة الطهطاوي، وهو الكتاب الموثق للصدمة الحضارية التي أصابت العرب والمسلمين بعد التقائهم بالحضارة الغربية الحديثة بمنجزاتها التقنية المتطورة.

وفي سلسلة المقالات التي نشرتُها حول سفري إلى اليابان رمتُ منها لاقتفاء أثر هذه الكتابات، وأن أسجل بعض ما شاهدته في هذا السفر، وما عشته من أحداث، وما استخلصته من عبر ودروس.

وسأخصص هذا المقال لعرض سريع لأهم المراحل التي مرت منها تجربة هذا السفر، بالاعتماد على التسلسل الزمني للأحداث، وقصدي منه التوثيق لهذا الحدث من جهة، للعودة إليه عند الحاجة؛ إذ لا يمكن التعويل على الذاكرة لأنها تخون، والكتابة قد تدفع هذه الخيانة؛ وليكون دليلا للقارئ إذا أراد الاستعانة به في معرفة أهم المواقع التي يمكن زيارتها في هذه الدولة، إذا أتيحت له فرصة السفر إليها. 
لنبدأ من البداية، وما أحلى البدايات دائما! وفي مطار محمد الخامس كانت البداية! والحق أنني، في كل مرة أذهب إلى المطار، أشعر بانشراح عجيب، وما ذلك إلا لكوني سأسافر. وللسفر فوائد جمة، تغنى بها الشعراء في تراثنا، ونظمها الناظمون، ومن ذلك قول الشافعي: 
تَغَرَّبْ عَن الأَوْطَانِ في طَلَبِ الْعُلَى 
وَسَافِرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ
تَفَــــرُّجُ هَـــمٍّ، وَاكْتِـــسابُ مَعِيـــــشَةٍ
وَعِلْمٌ، وَآدَابٌ، وَصُحْبَةُ مَاجِدِ

نعم، توجُّهي للمطار يشعرني بالانشراح والفرح؛ ليقيني أنني لن أعود كما ذهبت؛ بل سأعود ومعي تلك الفوائد التي ذكرها الشافعي، أو بعضها على الأقل، وهي كافية لتفسير هذا الانشراح.
ولأننا لا زلنا في البداية، دعني أعترف لك، عزيزي القارئ، اعترافا قد يكون مؤسفا؛ وهو أنني كلما ذهبت إلى المطار أرجو أن لا أكون مضطرا للسفر عبر الخطوط الملكية المغربية؛ لأن تجاربي معها لم تكن جيدة على الإطلاق، كل تجاربي في السفر التي كانت عبر هذه الخطوط واجهت فيها بعض العراقيل التي نغّصت بعضاً من صفاء تلك التجارب، سواء في المواعيد، أو في سوء الخدمات المقدمة للمسافرين.
لأجل هذا، صرتُ أفضل السفر عبر خطوط أخرى، ولعل أهمها هي الخطوط القرطية أو الإماراتية أو التركية العالية الجودة والمهنية. ولا يخفى عليك أن السفر حين يكون طويلا جدا، مثل السفر إلى اليابان، والذي يستغرق عشرين ساعة كاملة، يحتاج المسافر إلى راحة أكبر، وخدمات أفضل، وإلا صار ذلك السفر قطعةً من العذاب كما ورد في الحديث. وميزة هذه الخطوط أنها تجعل تجربة السفر ممتعة حقا؛ فكل ما تسأل عنه من الخدمات إلا ويُلبَّى لك في الحين بأكبر قدر من الجودة والمهنية، أضف إلى ذلك المئات من الأفلام الجديدة والأغاني والصوتيات والوثائقيات والألعاب التي يتم وضعها رهن إشارة المسافرين، لتسليتهم حتى لا يشعروا بطول الرحلة وما يتبعها من تعب وعناء.
نعم، الأسفار الطويلة قد تكون متعبة جدا، خاصة لبعض الفئات من الناس، لكني شخصيا أفضل هذا النوع من الأسفار، لما تتيحه لي من فرصة الاختلاء بنفسي، لكتابة بعض المذكرات، وقراءة بعض الكتب، أو مشاهدة بعض الأفلام؛ وبذلك أجمع بين الحسنيين: الاستفادة والمتعة.

وكما هو متوقع، في مدينة طوكيو العاصمة كان الوصول! ولا بد للواصل من استراحة، لكن يبدو أننا كنا متحمسين جدا لاكتشاف اليابان؛ إذ لم نأخذ قسطا من الراحة بعد وصولنا، بل اتجهنا في الحين إلى منطقة أساكوسا، شمال طوكيو، لزيارة معبد سينسوجي؛ والسياسة السياحية في اليابان تقوم على إشاعة إشعاع هذه المعابد لدى الزائرين لهذا البلد، وهذا ما لاحظته من إرشادات المرشدين، ولذلك، كما ستكتشف أيها القارئ الكريم أننا زرنا في هذا السفر الكثير من المعابد.
في الواقع، طرق العبادة هنا في اليابان مثيرة للدهشة والاستغراب. فالقناعات والمعتقدات الدينية اليابانية بسيطة للغاية، تقوم في الغالب على رمي قطعة من المال مع سحب رقم، وهذا الرقم يدلك عل إحدى الخانات التي تأخذ منها ورقة، وهي تكشف لك عن مستقبلك. وأحيانا أخرى، تكتب أمنيتك في ورقة، وترمي بها في علبة، ثم تدفع بعض النقود، وانتظر، سيَتَحقق لك ما تريد! نعم، عزيزي القارئ، هنا اليابان، والأمور بهذه البساطة!
قد تتساءل معي: كيف لهذا المجتمع المتقدم علميا واقتصاديا، والمصنِّع لآخر الحواسب والروبوتات، كيف له أن يؤمن بمثل هذه الأشياء الساذجة؟ .. الأمر محيّر فعلا ! 
ومن المناطق الأخرى التي زرناها منطقة شينجوكو، وهي من المناطق الحديثة والمزدحمة جدا في طوكيو، وإن كان هذا الازدحام لا يؤدي إلى الفوضى في التنظيم. لكن الحدث الأجمل خلال تجوالي في طوكيو هو زيارة متحف ميرايكان وهو المتحف الوطني للعلوم الحديثة والابتكار. وهذا المتحف لو زاره العبدري صاحب الرحلة المغربية لَأَوْفاه حقه في الوصف، لما له من مقدرة أدبية على الوصف، وأما أنا فأجد مُكنتي ومقدرتي تَقصُر عن ذلك. والحقَّ أقول: إنني كنتُ في غاية الذهول وأنا في هذا المتحف، وكِدتُ أقضي عجباً، وعيني ما كادت تصدق ما تراه، شيء عجيب  حقا!!
هذا المتحف هو استعراض للقدرات اليابانية في مجال الابتكارات العلمية والتقنية، يهتم بعرض ماذا ستكون عليه الابتكارات والمعرفة العلمية في المستقبل. وأكثر ما أثار دهشتي مشهد روبوت يغني أغنية من كلماته وألحانه، وهو روبوت مستقل، غير متحكَّم فيه، وله قدرة على تطوير مهاراته بنفسه! هذا المشهد أعاد إلى ذهني أسئلة تتعلق بمستقبل الإنسان، في ظل هذه التطورات العلمية غير المؤطرة بغايات وضوابط أخلاقية: كيف يمكن أن تكون عليه علاقة هذا الروبوت بالإنسان مسقبلا؟ وماذا لو أصبحت هذه الروبوتات أكثر ذكاء من الإنسان؟! هل يحق لنا أن نخشى على مستقبل الإنسان؟!
لم تؤسس اليابان هذا المتحف العلمي للاستعراض فقط، وإنما لكي يكون ملهما للأجيال أيضا، ولذلك يزوره الأطفال بكثرة، لكي يتشبعوا بالروح العلمية منذ صغرهم. وقد لاحظت في هذه الزيارة مشهدا لطيفا جدا، وهو مشهد طفلة تقوم بالجراحة بالروبوت، وهي تكاد تطير فرحا وسعادة، ولمحتُ في وجهها وكأنها وقعت على حلمها، وعرفت مستقبلها. وإذا استرسلت في الحديث عن هذا المتحف ربما طال الحديث أكثر من اللازم، ولذلك يحسن بي أن أتوقف هنا.
اليابان لا تدهشك بمعابدها وتقاليدها فقط، بل بغريب الابتكارات أيضا، وقد اتجهنا بعد زيارة المتحف الوطني إلى زيارة بعض المنازل الذكية جدا. وهي منازل في غاية الذكاء، فأنت، بمجرد دخولك إليها، تجد هنا مستقبلات تحت رجليك، وكاميرات فوق رأسك، ويتم رصد تحركاتك كلها وأنت في المنزل: حين تضحك، وحين تغضب، مدة نومك، مدة مكوثك في المنزل وخارجه، ملامح وجهك، بل إن هناك مستقبلات في دورة المياه أيضا، تتحقق من كل شيء، وفي الأخير تُقدم لك معلومات حول صحتك الذهنية والجسدية، مرفوقة ببعض النصائح من مثل: لا تنس ممارسة الرياضة، خصص وقتا أكبر لعائلتك … وهذا لعمري شيء يفوق الخيال، ولو حُدِّثَ به إنسانٌ قبل خمسين سنة فقط لجزم أن هذا تـخرُّصٌ، ومحض هراء علمي.

 

مقالات مرتبطة

ومما عُرفت به اليابان، وذاع صيتها بسببه، ريادتها في صناعة السيارات. ولأجل ذلك، ذهبنا، في محطتنا الموالية، إلى “طويوطا ميجا ويب”، وهو متحف طويوطا الكبير. هذه الشركة التي تعد مفخرة اليابان بحق، وقد اعتبرت في وقت من الأوقات السيارة الأكثر مبيعا في الولايات المتحدة نفسها، ونافست كبريات الشركات الأمريكية، كما أن سياستها في التصنيع تُدَرَّس في أكبر جامعات العالم وهناك كتاب إسمه “الماكينة التي غيرت العالم” يوضح السر الكامن وراء نجاح هذه الشركة لمؤلفه جيمس ووماك.
إن اليابان مرتبطة في أذهاننا منذ الصغر بثقافة المانجا، وكان طبيعيا أن نزور، في هذا السفر، منطقة أكيهابارا. وهي منطقة كبيرة جدا مخصصة لبيع المانجا أو مجسمات الرسوم المتحركة. سوق كبيرة، بخلاف ما قد تتوقع عزيزي القارئ، لا يرتادها ، في الأغلب، إلا كبار السن، وهم الذين يشترون هذه المجسمات. وقلَّ أن تصادف أطفالا صغارا هنا سواء لوحدهم أو بصحبة آبائهم. وحتى أكون صادقا، فإني لا أفهم إلى حدود اللحظة لماذا يشترون تلك المجسمات؟ ولكن المجتمع الياباني مجتمع معقد، فهمه يحتاج إلى وقت أطول، وإلى أدوات معرفية وأنثروبولوجية عميقة. غير أن هذا لا يمنعني من القول: إنني أجد هذا الصنيع منهم مثيرا للضحك.
وفي هذه المنطقة، أيضا، توجد محلات كبيرة لبيع الألعاب الجنسية، والتي تعرف بدورها شيئا من الرواج بسبب الاختلالات الجنسية التي يعانيها المجتمع الياباني. وهذا موضوع يطول، من شأن الخوض فيه أن يخرج بي عن المقصود الذي رُمته من هذا المقال. 
ومن مصادر قوة اليابان أن مؤهلاتها السياحية متنوعة، فرغم أنها دولة مصنعة إلا أن هناك مناطق طبيعية جميلة جدا، يقصدها السياح الزائرون لهذا البلد، ومن هذه المناطق التي زرناها جبل فوجي، من أشهر الجبال العالمية، وهو أقل ارتفاعا من جبل توبقال، يبلغ طوله ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسة وسبعين مترا. ويستمد هذا الجبل هيبته من كونه يتوفر على قاعدة واسعة جدا، وعلى قمة لا ينقطع عنها على طول السنة. ولغرابة اليابانيين كعادتهم، فإنهم يَعتبرونه إلهـاً، يتبركون به، ويشدون الرحال لزيارته ويرونه ملهما لهم؛ لأنه يرمز إلى وضوح الرؤية وإلى القوة، كما أنهم يجدون فيه خصائص المجتمع الياباني: هادئ ومهيب، وبه وقار، وعال، وفوق ذلك كله هو جميل جدا.
وبعد العودة من جبل فوجي ذهبنا إلى طوكيو سكاي تري؛ ثاني أعلى برج في العالم، بعد برج خليفة في دبي، وأطول برج للبث الإذاعي في العالم. هذا البرج مختلف عما هو معهود عند العرب، فهو ليس مزخرفا بشكل فاحش، بل برج بسيط جدا في هندسته. ولكنه محجٌّ للزوار، يأتون إليه، ويأخذون فيه إما فنجان قهوة أو وجبة غذائية، ومن تم فهو مدر للأموال، كما أنه يضفي جمالا ورونقا على المدينة. وكم تمنيت لو وُجدت عندنا مثل هذه الفلسفة في العمارة التي تجمع بين البساطة والجمال، بدون تطاول في البناء أو تنافس عنتري.
ومن الأماكن التي لا يمكنك أن تقصد اليابان، عزيزي القارئ، دون أن تزورها، حديقة بارك وينو وهي من أجمل وأكبر الحدائق في طوكيو، ومن محاسن الصدف أن زيارتنا لهذه الحديثة تزامنت مع موسم الساكورا، وهو موسم انفتاح أزهار الكرز. هذه الأزهار التي تعطي منظرا رائعا لطوكيو، التي ورغم أنها من أكبر المناطق المدنية من حيث الكثافة السكانية؛ حيث تبلغ ساكنتها سبعا وثلاثين مليون نسمة، إلا أنها مليئة بالحدائق والمعابد، وتشهد انسيابية كبيرة في الحركة والسير، بخلاف ما نلحظه في مدن أقل منها كثافة سكانية، كالقاهرة والدار البيضاء اللتين لا تفارقهما الفوضى المرورية.
من بين هذه الشوارع المكتظة بالناس، يوجد في طوكيو شارع كبير اسمه شيبويا، وهو شبيه بساحة تايمز سكوير الأمريكية. في هذا الشارع تجد كل فئات المجتمع، فمنهم من يغني، ومنهم من يرسم، ومنهم من يحكي قصصا وحكايات؛ كل شخص يحاول مشاركة موهبته مع الآخرين مقابل بعض النقود. مما يضفي على هذه الساحة جمالا ورونقا وبهاء.

وأنت تتجول في الشوارع هنا ستلاحظ مجموعة من الشباب يلبسون ملابس الساموراي، ويتجولون في الشوارع لتنظيفها، يحملون بأيديهم سلات، يجمعون فيها بعض ما قد يعثرون عليه من أزبال، وإن كانت الشوارع في طوكيو في الحقيقة في غاية النظافة.

كما أن هناك شبابا آخرين يحملون لافتات مكتوب عليها: can I help you؟ أو هل هناك ما يمكنني مساعدتك فيه؟ فيذهب الناس إليهم لطلب إرشادات تتعلق بالأماكن والاتجاهات غالبا، طبعا هم لا يقدمون المال للناس، وإلا كانوا بذلك يشجعون على التسول.
وبالعودة إلى المحطات التي قطعناها في هذا السفر، كانت المحطة االموالية في مدينة كيوطو، وهي العاصمة الغربية لليابان؛ عاصمة اليابان قديماـ، لأكثر من ألف سنة، وهي لا تزال العاصمة العلمية والثقافية لليابان. مدينة محافظة على طابعها التقليدي؛ حيث تجد الناس يتجولون فيها بـالكيمونو، سواء كانوا رجالا أو نساء. ومما يُسهم في ذيوع صيت هذه المدينة جامعاتُها، حيث كان لجامعاتها الحظ الوافر من جوائز نوبل التي أحرزتها اليابان في ميادين علمية مختلفة، فمن أصل ستة وعشرين جائزة نوبل، حازت عليها اليابان، حازت جامعات كيوطو على 7 منها، ولأجل ذلك تحظى بالكثير من التقدير والاحترام لدى اليابانيين هنا. وأكبر مزايا هذه المدينة أنها تشعرك أنك حقا في مدينة يابانية قديمة جدا، لشدة المحافظة على الثقافة اليابانية القديمة فيها، سواء من حيث العمارة، كما ستجد في فنادقها التقليدية، التي لا تعتمد الأسرَّة في الغرف، وإنما ينام النازلون فيها على الأرض، يأكلون على الأرض، وهذه هي ثقافة الناس في كيوطو.
وكما بيّنت سابقا، فللمعابد من زيارتنا هذه حظ وافر؛ حيث قمنا بزيارة الكثير منها في كيوطو كقلعة نيجو، والذي يقرب من منتزه نارا، وهو منتزه معروف بغزلانه الذين يتجولون في الشوارع، ويقدم لها الناس الأكل ويلعبون معها، كما زرنا كذلك معبد تودايجي، وهو معبد بوذي، به مجسمات لبوذا كبيرة جدا، وهو محج كبير يقصده الآلاف من الناس.

 

وبعد ذلك حططنا الرحال بمدينة هيروشيما، وهي ليست بعيدة عن كيوطو كثيرا، ولم يستغرق السفر إليها عبر التيجيفي إلا ساعة من الزمن. قبل رؤية هذه المدينة كنت أتوقع أن تكون أقل المدن اليابانية تطورا، لكن مفاجأتي كانت كبيرة جدا، حين أدركتُ أنها من أكثر المدن اليابانية تطورا، وأن بها ثماني مستشفيات كبيرة، منها مستشفى خاصٌّ بالأمراض الناجمة عن القنبلة النووية. هذه المدينة تعد الذاكرة الحافظة للهجوم الهمجي الذي قامت به الولايات المتحدة عليها، والذي قتلت بسببه ما لا يقل عن مائة وستين ألف شخص، ودمرت ما لا يقل عن سبعين في المائة من المدينة تدميرا كاملا.
أكثر ما أثار دهشتي في هذه المدينة أنني لم أشعر أن ثمة حقدا وكراهية ضد الأمريكيين هنا، فاليابانيون يلومون أنفسهم بالدرجة الأولى، بالمشاركة في هذه الحرب؛ لأن ذلك كان خطأ في تقديرهم. وعوضا عن إلقاء اللوم على الآخرين، يركزون على إعادة بناء أنفسهم من جديد، وحاولوا –ولا زالوا- أن يجعلوا من هذا الحدث سببا لوحدتهم، ودافعا لهم على الاستمرار في بناء وطنهم. وقد تمكنتُ من زيارة المتحف الذي يؤرخ لضحايا جريمة إلقاء القنبلة النووية على هذه المدينة، فألفيْتُ أن الناس هنا لا تؤكد إلا على السلام، باعتباره المفتاح الذي به تتقدم الأمم، والذي به تحفظ المنجزات الحضارية. الكل هنا يؤمن بواجب الحفاظ على السلام، وأن اليابان لا ينبغي أن تدخل في حروب مرة أخرى. إن ازدهار هذه المدينة وتطور اقتصادها ومرافقها وبنياتها التحتية يجعل من الصعب على الزائر أن يصدق أن هذه المدينة كانت قد دمرت بالكامل تقريبا منذ سبعين سنة فقط!
وبمجرد خروجنا من المتحف بهيروشيما توجهنا صوب مدينة أوساكا، وهي آخر محطة لنا في اليابان. وأكثر ما لفت انتباهي في هذه المدينة وفي اليابان عموما، هو تخصيص أماكن للمقعدين من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو ما يسهل عليهم الولوج إلى الحافلات. كما لاحظت أن في الممرات الطرقية علامات خاصة بالعمي، وهو إطلاق صوت يعلمهم باشتعال الضوء الأحمر، وإمكان قطع الطريق والمرور. كما أنك لن تعثر، هنا، على شخص يدخن في الشارع؛ ذلك أن هناك أماكن مخصصة للتدخين، وحجم المدخنين من اليابانيين، عموما، صغير جدا، بخلاف ما قد تشاهده في دول أخرى، كتركيا وغيرها؛ حيث المدخنون في كل مكان.
وبعد؛
فهذا سرد مختصر لأغلب المحطات التي قطعها هذا السفر، ولأهم الأشياء التي لفتت انتباهي، دونتها لك، عزيزي القارئ، لتكون لك دليلا، قد تحتاجه في يوم من الأيام، إذا أنسأ الله لك في العمر، وقدر لك زيارة هذا البلد، وهي لي تذكرة، إذا أحببت استرجاع هذه الأحداث بعد مضي وقت، وطول عهد يحول بيني وبين تذكُّرها. ومن قبلِ هذا ومن بعده، هي شهادة زائر ملاحظ، محب للاستكشاف والمعرفة، في حق بلد لا يزال الناس ينظرون إليه على أنه بلد فريد أو “كوكب” منفرد!
وقد حاولت اختصارها بقدر الطاقة، والاقتصاد في العبارة ما استطعتُ إلى ذلك. غير أنه، على ما يبدو، قد أبت إلا أن تطول. وحسبي أني قد حاولت، وقد أحسن باسكال، الذي ختم رسالة طويلة إلى صديقه: “اعذرني يا صديقي على الإطالة؛ فليس لديّ وقتٌ للاختصار”؛ نعم، الاختصار يأخذ من الوقت ما لا يأخذه التطويل، والاختصار، وإن كان من مقصود العرب، كما قال ابن خلدون، فإن لبعض المقامات اعتبارات أخرى قد تتطلب بعض التفصيل في البيان، والحمد أولا وآخرا.