حين تغضب الأنثى!

402

وأنا أقلب صفحات هذا العالم الافتراضي، فإذا بي أجد بين يدي عنوانا مغيظا للوهلة الأولى “كيف تغضب المرأة بأنوثة؟!” قد يبدو هذا العنوان عاديا للكثيرين، لكنه مستفز لي؛ لأن لي معه حكاية…بحكم نشأتي بين أربعة صبيان، طغت على تصرفاتي ملامح ذكورية؛ فكل ما يسري على إخوتي يسري علي، إلى أن بدأت أتجاوز مرحلة الطفولة، حينها فقط بدأ الصراع، كلما هممت بأمر أجد من حولي ينظرون إلي نظرات استغراب ويتمتمون كلاما من قبيل، الفتيات لا تفعلن هذا!

أذكر جيدا أنه كلما نشأ جدال أو خصام بيني وبين أحد إخوتي الذكور، أجد أن أول ما يناقش وينتقد قبل كل شيء هو ردة فعلي أنا كفتاة، قبل أن يتم الغوص في عمق المشكلة والحكم فيها، قبل أي شيء!…أُدَان أولا وإن كنت مظلومة، كيف لي أن أغضب!؟ كيف لي أن أصرخ!؟ كيف لأنثى أن تقف ندا لولد وتنتصر لنفسها بنفسها؟!
ينتظرون مني أن أبكي، وأن أجلس في صمت إلى أن يسألني أحد المارين عن حالي، حينها فقط يحق لي الكلام والشكوى؟! لينتصر لي فارس مغوار!
يطلبون مني أن أظهر بحكم الضعيف المظلوم المقهور إلى أن يُؤتى بحقي إلي على طبق من ذهب ..
لماذا؟ لأني أنثى؟ والأنثى أميرة لها سمات وصفات لا يندرج ضمنها الغضب مطلقا فهو عاطفة لا تليق بالفتاة، ففي نفس الوقت الذي لا يبالي فيه أحد بغضب إخوتي وكيف عبروا عنه، يطلب مني أن أكتمه ،يطلب مني أن أصمت برقة وأنا في شدة غضبي…

كل هذا لم يستطع أن ينهل من أمري شيئا غير أنه زاد من اندهاشي…كيف بي وقد ربيت على أن أطالب بحقي وأن أدافع عن نفسي بنفسي وأن أكون مستقلة بذاتي، أن ألزم منهجا للغضب سطر لبنات جنسي! كيف لي أن أرضى بهذا وأنا لم أشهد في حياتي رجلا ينتقد لغضبه مهما علت شدته، كيف له ألا يلام على ذلك؟! بل على العكس تماما، إن ذلك الأمر يزيد من ذكوريته ورجولته وشهامته…

غريب حقا أن يتم تصنيف الغضب أيضا حسب الجنس! غريب أن يكون الغضب صفة ذكورة، وهو في أصله عاطفة إنسانية لبني البشر أجمعين!
أثناء الغضب، ننتقل من كوننا أميرات مدللات ومراهقات إلى نساء يصعب إرضاؤهن وحادات الطباع، يظل غضبنا نحن كنساء مصدر إزعاج كبير، فبإمكاننا أن نغضب لكن بحدود، يمكننا أن نغضب على بنات جنسنا مهما اختلفت الأعمار والصفات، يمكننا أن نغضب كأمهات مثلا أو كمعلمات، وفي النهاية يغضب علينا الناس لأننا غضبنا…وما الغضب إلا تعبير عن حاجة مهمة افتقدناها أو سلبت منا سواء كانت مادية أو معنوية كالكرامة والكبرياء، وللأسف يظل الفكر السائد أن الغضب يعزز الذكورة ويضعف الأنوثة، لذلك تعاقب عليه النساء ويكافئ عليه الرجل، وهذا يضعنا في وضع سلبي حين يتعين علينا الدفاع عن أنفسنا ومصالحنا!

فبنفس الطريقة التي تعلمنا بها أن نكون محترمات، تعلمنا كيفية بلع ألسنتنا والتضحية بكبريائنا، وما يحدث في كثير من الأحيان، هو أنه وبالنسبة لنا جميعا تصبح الإهانة قريبة من مفهومنا للأنوثة…لقد فقدنا القدرة حتى على معرفة معايير التغيرات الفيسيولوجية التي تشير إلى الغضب؛ لأن معظم مشاعرنا غالبا ما تترجم كدموع، فما عدنا نفرق بين شعور وآخر! مما يجعلنا نمرض، وقد ثبت أن الغضب سبب في عدة أمراض نفسية وجسدية، والتي يقلل من شأنها مع عظم تأثيرها، كما أن بعض الدراسات تشير إلى أنه يؤثر على معدل الوفيات عند النساء.

لست هنا في دعوة لنشر الغضب ولا أملك حقدا دفينا تجاه أحد، وليست لي رغبة في أن أجند النساء ضد الرجال، ولا أن أصنع من الكائنات الرقيقة وحوشا تفترس كل من أساء لها، كل ما أطلبه ألا يتم تصنيف الغضب حسب الجنس بل اعتباره عاطفة فطرية إنسانية، وإذا توجب علينا مرة مناقشة شيء حوله، فالأولى أن نلتزم جميعا ذكورا وإناثا بكيفية التصرف في حال الشعور به!
فربما لو أن أحدهم نصحني في صغري بشكل منصف بطريقة مثلى للتعبير عن الغضب بدل أن ينتقص من أنوثتي، ما كنت لأعانده. فرفقا بأطفالنا، بدل أن نعلمهم أن الغضب صفة رجولية، حري بنا أن نعلمهم أنه عاطفة إنسانية لنا أن نعبر عنها كما نختار، فكما اختار البعض الصراخ، والعنف اللفظي والجسدي اختار البعض الآخر الحلم، والتأني والحكمة…ولك الحق في أن تغضب كلما انتُهكت حدودك…فقط اختر كيف تعبر عنه بشكل فيه صلاح لا فساد!