مناقشة الجاهل.. فعلا مذلة

318

 

لاشك أن الكثير منا يواجه صعوبة في مناقشة بعض الفئة من الناس التي غالبا ماتكون قد نشأت في بيئة تسودها التمثلات الإجتماعية و المعتقدات الراسخة في أذهانهم، مؤمنين بها رافضين أية معارضة أو تقبل رأي حتى لو كان على حسابهم وفي صالحهم.

هل يعتقدون أنهم إذا تخلوا عنها فإنهم بذلك خالفوا قواعد مقدسة؟ أم أنهم تعودوا على هذا النمط من التفكير لأنه يريحهم نسبيا من الاجتهاد في رأيهم و يكون لهم وجهة نظر خاصة؟ ام عجز في تحريك  “العقل ” أو بالأحرى عدم رغبتهم بالأساس في بذل أقل جهد عقلي يدخلهم في صراع فكري هم في غنى عنه ؟

نمر بمواقف عصيبة، لأننا نجد أنفسنا بشكل يومي نسمع كلام يستفزنا ولا نستطيع معه أن نغيره للوجهة الصحيحة ، بحيث إذا فكرت فقط بأن تشارك برأيك في مناقشة ما، فإنك بذلك قوبلت بالجلد و استعد  للقصف الجبهي، ليصل بهم الحد لاتهامك بالإلحاد أو الجنون.

يمكنني أن أطلق عليهم وصف ” الطوبائيون” بحيث أنهم يخافون التطور و التجديد، فهم لم يجربوا قط أن يخطون خطوة للأمام، يفضلون الركود و الجمود في مكانهم، ممتنعين فكرة أن العالم يتطور يوما عن آخر، كما أنهم يتمسكون بآرائهم بشدة، و تحليل الأمور وفق بعد واحد دون الأبعاد الأخرى ،   معتبرين أنهم إذا فكروا في الأمور من جوانب أخرى سيقعون في الضلال، لكنهم غارقين في مستنقع راكد وهم لايعلمون،  يأبون الإستكشاف و البحث عن حقائق الأشياء.

على سبيل المثال لا الحصر، نجد البعض منهم يعتقدون أن التطور الحاصل في التكنولوجيا  جاء ليقصيهم و يلغيهم، و يمحي جذورهم ، لكنهم مخطئين تماما في ذلك، لأنهم هم أنفسهم يستخدمون الهاتف و مواقع التواصل الإجتماعي في حياتهم اليومية لكنهم يجهلون أنهم من أولئك الأشخاص الذين يستخدمون التكنولوجيا فيما هو غير هادف ليدخلوا بذلك في تلك الفئة التي يتكلمون عنها دون شعور و يصبحوا في دائرة الإقصاء، بحيث يقصون أنفسهم من المجتمع و الأسرة، يلتهون بالتواصل في العوالم الافتراضية و شيئا فشيئا يبتعدون عن إيديولوجيتهم و روتينهم اليومي، دون إدراك بأنفسهم أنهم يتغيرون يوما عن يوم..

إنه تناقض مخيف حقا، أحيانا نشعر باشمئزاز ناحيته، حيث يتجادلون إلى غاية هم أنفسهم يجهلونها، أو هي مجادلة فقط للمجادلة دون جدوى، ماجعل مجتمعنا  يعيش شرذمة في الأفكار و فوضى في التربية و أزمة في الحوار.

فالإيمان قوة عظيمة لا يقف أمامها معيق مهما كان، لكن موضوع ذلك الإيمان يجب أن يكون معقولا، و عن قناعة تامة به، إن لم أقل أن يجد الشخص في ذلك الايمان قوة يواجه بها التحديات التي على هيئة ( بشر ) ، و مواقفه الحياتية التي طالما أنه يتفاعل و يحتك بالناس في الشارع أو في مكان العمل، يؤمن بأن لا أحد يمكن أن يغير له الأفكار التي يؤمن بها، لكن هذا لايعني أن يرفض التغيير، ويدافع عن أفكاره بشكل هجين،  بل بحكمة و أدب و حجية في الكلام، وهذا مايبني له وجوده الإجتماعي، فهم لن يسمعوه مرة و مرتين وثلات.. لكن يوما ما صوته سيسمع دون شك.. يبقى الإشكال فقط في كيفية إعمال “العقل”، بعيدا عن اللغو و النزاهة في التعقل و التدبر .

مقالات مرتبطة

 

سأرجع الى النقطة الأولى.. هؤلاء الناس ( بعضهم) لكن ما أكثرهم، يديرون للشمس ظهورهم ولا يرون إلا ظلهم، فأي تجديد بعدهم، فهو انتهاك لحرمة أفكارهم ( الساذجة )، من العصيان أن نخالف رأيهم و معتقداتهم ، يلزمنا أن نتقيد بمعاييرهم الاجتماعية.

لن نلومهم، بحيث أنهم عاشوا في ظروف و زمان ترسخت في ذاكرتهم صور ذهنية للمواضيع  و السلوكات كانت متعارفة لديهم كحس مشترك لديهم، لا يجوز الخروج عنه، هذه المعارف الساذجة لديهم غير قابلة للتغيير لديهم، لكن بإمكانهم التجديد و الهيكلة تماشيا مع الأحداث التي نعيشها و الفينومينولوجيا التي تظهر أمامنا دون سابق إنذار.

مجتمعنا يحتاج فعلا وتفعيلا لصفعة مؤلمة ، كي نستيقظ مذعورين، حينها روحنا سترفض الإقرار بالهزيمة ،  لأننا نتعطش لمن يخاطبنا بعقله لا بهواه و نزعته  الفردانية .

نود عند مناقشتنا لبعضنا،  أن لا نحس بالذل الذي نحسه عند محاورتنا للجاهل، فالتفكر و تحريك العقول لا يقتصر فقط على المثقفين و المتعلمين، هذه فرضية مغلوطة، بل نجد أن هناك أشخاص لم يجدوا فرصة الدخول إلى مقاعد الدراسة، لكنهم واعيين بما يجري حولهم، و مهتمين بكل معرفة جديدة، وتجدهم يتحاورون بأسلوب مثير للإهتمام.

فالدراسة سنين طويلة وفق المناهج الأكاديمية ليست معيارا للثقافة و العلم  ، هناك من لديه شواهد عليا في الدراسات المعمقة، لكن لم يفلح في أن ينعم بتفكير تنويري و يتخلص من الإيديولوجية الظلامية و الوراثية.

فالفرق بيننا و المجتمعات المتقدمة، كما جاء في كتاب ” مهزلة العقل البشري”، أن هذه الأخيرة تجد الناس فيها في ركض متواصل و حركة لا تفتر ليلا و نهارا، كلهم يسيرون على عجل، إذا سألتهم  ” إلى أين ؟ ” همهموا بكلمات غامضة و استمروا في السير.

أما في مجتمعاتنا ” الراكدة” فشعار الناس: ” العجلة من الشيطان” ..

وعليه، أرى أنه إذا أردنا أن نحقق لأنفسنا مكانة في مجتمعاتنا، علينا أن نكون دائما مستعدين و متربصين لأي هجوم من هنا أو هناك، و نتقن سياسة الاحتواء لمواجهة أي إندفاعات من الغير، ولانفكر في تغييرهم، فالانشغال بتغيير و إصلاح الآخرين سينسينا إصلاح ذواتنا.. فالعالم سيتغير عندما نقرر نحن التغيير من داخلنا عن طواعية ..