لماذا أحزن عندما تنزع صديقة لي حجابها؟

865

لطالما حزنت وأنا أرى إحدى المقربات تنزع حجابها، الحدث لم يكن يوما بالنسبة لي حدثا عاديا وإلى الآن لا أستطيع أن أراه عاديا، رغم أني أقنع نفسي أن الأمر عادي وأن غطاء الرأس ليس كل شيء وأن الحجاب ليس غاية في حد ذاته، بل نتيجة لأشياء أهم وأكثر رسوخا، إلا أني لازلت أحزن يا صديقتي.

لا أدري حقيقة لم الأمر محزن، لا ليس بسبب أولئك الذين يظهرون فرحتهم بنزعك للحجاب وكأنك تنتصرين لهم، لا هؤلاء لا يهمونني حقا ولا تعدو كلماتهم المنمقة ضربا من ضروب العبث، فهم لا يكفون عن القول أنك جميلة في كل حالاتك وأنك إنسانة قبل كل شيء ولكن وللغرابة هم يرونك إنسانة بدون غطاء رأس فقط وذلك الغطاء بالذات ينزع عنك إنسانيتك في نظرهم…

لا يؤلمني أن يجد البعض في الأمر فرصة للهجوم على أحكام الإسلام بشكل ما، فحتى الملحدون الذين لا يؤمنون بشيء على قولهم يجدون في الأمر متعة ويصبح الإفتاء من اختصاصهم…لكن كل هذا لا يهمني في شيء.

ما يؤلمني يا صديقتي هو أني أرى في نزع الحجاب بداية لتنازلات كثيرة ستأتي لا محالة، فالحجاب كما أراه ليس مجرد قطعة قماش تغطي الرأس وليست زيا اجتماعيا بالمرة، فما كان لله أن يشدد علينا نحن النساء في مسألة اللباس وأن يذكر غير ما مرة أن الزينة لا تبدو من المرأة إلا في سياقات معينة…حسنا لن أناقشك في هذا ولا أرغب في إقناعك بشيء، فأنا أدري أن كثيرين قبلي حاولوا ولم يفلحوا لأنك وببساطة وصلت لتلك القناعة عبر طريق طويلة خضتها مع نفسك، أدري أيضا كم كان صعبا عليك قبل ذلك أن تضطري لارتداء شيء لا تؤمنين به…

 

لكن ما يقلقني حقا أن تصبح كل الأشياء قابلة للشك حتى تلك المحبة التي جمعتنا أو جمعتك مع أناس آخرين لمجرد أن آراءكم بشأن بعض الأشياء أصبحت مختلفة، يخيفني أن يصبح من السهل عليك إطلاق أحكام وفتاوى تخص فروضا فرضها الله أو أركانا مسلما بها أو أشياء ثابتة في الكتاب أو السنة فقط لأنها لم تعد ملائمة لمنطق عقلك، يخيفني أن تصدري أحكاما بمثل هذا الثقل في الوقت الذي كنت تنتقدين فيه أولئك الشيوخ الذين أصدروا أحكاما في الجهة المقابلة، وأنت اليوم تفعلين مثل ما فعلوا مع فارق أن كثيرا منهم قد مشوا طريقا طويلة من التعلم والبحث، بينما كانت بضع كتب كفيلة بتغيير كل شيء في عقلك وجعلك تؤمنين أنه مقدس وأنه لا قداسة لغير العقل.
يؤلمني أن أرى أن الإيمان بالنسبة لك أصبح كأنه معادلة كيميائية إذا لم تعط نتيجة ملموسة فهي فاشلة، يؤلمني أن ترمي كل تاريخك وراءك بما فيه أنا وأن يصبح أي شيء يذكرك به كأنه وصمة عار تسعين للتخلص منها.
يخيفني أن توهمي نفسك أنك تخوضين رحلة إلى الله، وأن نزعك للحجاب هو تخلص من حاجز يمنعك من البحث والتمحيص والشك، ويمنحك مساحة أكبر لانتقاد الأشياء دون أن يضعك الآخرون في قالب ما…يقلقني أن يكون سبب هذه الرحلة حسب ما تقولين أنك تودين معرفة الدين الحق بعيدا عن تأثيرات المجتمع وعن تقاليده التي أفسدت الكثير منه، بينما يصبح كل هاجسك هو هذا المجتمع دون أن تلقي للأمر بالا…

يقلقني كونك تعاندين نفسك أحيانا لأنك وضعت نتيجة افتراضية تريدين الوصول إليها، وأن يصبح طريق العودة صعبا أو مستحيلا، لأنك ترفضين الاعتراف أن منطلقك ربما كان خاطئا منذ البداية.
يثير قلقي أن تصبحي منفتحة على كل الثقافات والمعتقدات، تتقبلين كل شيء ولا تدخلينه إلى خانة التمحيص كما تفعلين مع الإسلام.
اختيارك لصداقاتك أيضا صار انتقائيا، كأنك تتحججين بعدم الارتياح لتتجنبي كل شخص سيجعل الضجيج يستوطن عقلك من جديد.

لم يكن الزي الذي يرتديه الآخر يوما حاجزا بالنسبة لي، ولم يكن مدعاة للحكم أو أخذ موقف سلبي أو إيجابي، فلطالما كان المحيط الذي نشأنا فيه مليئا بالاختلاف والتناقضات، لكن الأمر يصبح مقلقا عندما يتحول الاختلاف الظاهري إلى اختلاف عقدي، تبدئين فيه بنقد السنة، ثم تنتقلين إلى القرآن فتنتقين منه ما يناسب منطقك وعقلك أو هواك، أو عندما تصبح الأركان موضع مساءلة وتصبح الآيات بالنسبة لك مجرد نصوص تفسرينها على هواك حتى إن لم تتقني الحد الأدنى من اللغة والأحكام.

ما يريبني حقا موقفك الدفاعي والهجومي في ذات الآن اتجاه أي شيء يحمل اسم الإسلام، حيث يصبح اكتشاف أي كتاب ينقضه فتحا وأي كتاب يحاول أن يقرأه بوجهة نظر حيادية أو عقلانية موضع نفور ونقد مسبق، يصبح كلام كل فيلسوف غربي مثيرا للاهتمام ويستحق الاحترام بينما تصير كل نظريات أي فيلسوف أو مفكر مسلم مصدر ريبة وقلق.

يقلقني حقا أن أرى ذلك الشغف الذي طالما تملكك اتجاه الأشياء والأشخاص والأحداث يخبو فجأة، كأنما دخلت متاهة لا تدركين متى سيكون من الممكن أن تخرجي منها، كأنما الشك قد صار مطلبا في حد ذاته، حتى إن جعلك تبتعدين عن نفسك أكثر.

ما يخيفني في كل هذا ألا نستطيع أن نجلس كما كنا نفعل سابقا ونحن نملك الكثير من الشغف اتجاه أفكار بعضنا دون أن نحمل أحكاما مسبقة عنا، ما يحزنني أن يأتي يوم لا تعتبرينني فيه الحضن الأول الذي تلجئين إليه وتبحثين بالمقابل عن أقرب شخص تبوحين له، ضامنة أنه سيؤيدك لأنك تعرفين مسبقا أنه اتخذ قرارا مماثلا لك ومتحاشية لصوت الاختلاف الذي طالما كنته لك وكنته لي.

ما يؤلمني حقا أن نبتعد جدا بقدر ما اقتربنا جدا! أن تصير المحبة موضع شك بيننا!