زواج، وبيت، وأطفال ونقطة نهاية

419

أصبح للمرأة العاملة دور مهم في مجتمعنا الحالي لأنها برهنت على تميّز وكفاءة في العديد من المجالات-إن لم نقل كلّها-. ولكن، تزامن مع هذا الجانب المشرق من التطور الاجتماعي آراء وقناعات معاكسة حول زواج الرجل من فتاة عاملة. لا أعتبر هذا التصريح غريبا على الجنس الذكوري بصفة عامّة والشرقي بصفّة خاصة، ولكن ينتابني الفضول إلى ما وراء ذلك. أتفهّم موقف بعض الرجال الذين لا يريدون زوجة عاملة لأنهم يريدون لها حياة كريمة في بيتها وبين زوجها وأولادها، لا يريدونها أن تتعب داخل وخارج المنزل، لا يريدونها أن تُهان من طرف رب عمل أو أن يُقلَّل احترامها من طرف زميل، يريدونها أن تُركز على تربية الأبناء وتلبية حاجات زوجها وبيتها؛ لأنها لا تستطيع إتقان كل شيء في آن واحد، فطاقة الإنسان مهما وسعت تبقى محدودة.

أقدّر لهذا النوع من الرجال إحساسهم ورحمتهم وعطفهم على الزوجة؛ لأن الزوجة العاملة -والأم العاملة على وجه الخصوص- تجد صعوبة كبيرة في التوفيق بين عملها وأسرتها. لكن سؤالي لهؤلاء الرجال: هل فكّرتم في تلك المرأة وفيما تريد؟ لا شك أنها هي أيضا تريد لنفسها حياة كريمة، ولكن يبدو أن معنى الحياة الكريمة مختلفا لدى الطرفين؛ فربما ترى المرأة في عملها ذاك حياةً كريمةً وإثباتاً لذاتها واحتراماً لكيانها كإنسانة بقلب ينبض وعقل يفكّر وينتج! وربّما ترى في نفسها إنسانة قادرة على مواجهة الحياة العملية بكل ما فيها، من إنجازات ونجاحات…وقلة احترام وإهانة! فهي حتى وإن لم تكن عاملة، ستكون معرّضة للإهانة في السوق عند شرائها لأغراض بيتها أو قلة احترام عند إيصالها لأولادها إلى المدرسة. ماذا ستفعل آنذاك؟ هل ستحبسها في البيت كي تضمن لها حياة كريمة؟

الفتاة أيضا تكبر ومعها أحلام وأهداف وطموحات وميولات إلى مجالات معينة، بالإضافة إلى سُنّة الزواج وغريزة الأمومة. هناك أبٌ وأمٌّ ذاقا المُرّ من أجل أن تصبح تلك الفتاة عاملة، سَهِرا الليالي على تعليمها وتأسيسها وتوجيهها كي تصبح امرأة قوية مستقلة ناجحة! وإخوة شجّعوها على الطموح والمثابرة من أجل تحقيق أهدافها، لتلك الفتاة جدٌّ كبير في السن، أمنية حياته أن يرى حفيدته المدلّلة وهي تُمارس المهنة التي لطالما حلمت بها، إنها حصادٌ لتعب سِنِين من الحرث…تماما مثلما ستتعب يا سيدي في مسيرتك مع ابنتك! هل ستقبل آنذاك أن يقول لها رجلٌ لن أتزوجك لأنّك فتاة عاملة؟

يجب أن أوضح:
أولا: أن المرأة تستطيع الدفاع عن نفسها وحماية نفسها وصدّ كل ما يقلل من احترامها -وإن لم تفعل يكون العتب عليها لا على أحد غيرها-، فهي تربّت على أسس العيش الكريم، قبل أن تتربى على الطموح والسعي وراء الأهداف.

ثانيا: الحكم على فتاة بالتقصير أو الفشل في الحياة الزوجية لمجرد أنها امرأة عاملة هو حكم مُسبق وظالم ومستفز، يشبه حكم الغرب على المحجبات بالجهل والاضطهاد لمجرد أنهن يرتدين غطاء رأس. لا يمكن التعميم من تجارب عشناها أو شاهدناها؛ فالشخصيات تختلف، والظروف تختلف، والقدرات تختلف، والدوافع تختلف  والأولويات تختلف! لا أحد يعيش حياة أحد..

ثالثا: المرأة العاملة غالبا ما تكون متعاونة ومُقدِّرة في الحياة الزوجية؛ لأنها تعرف خبايا الحياة العملية وتفهمها، كما يكون لها التأثير الأكبر على أولادها، خاصة بناتها اللاتي يعتبرنها قدوة ومثالا يستحق اتباع خطواته، وتكون أكثر حرصاً على تربية أولادها تربية صالحة والاهتمام ببيتها؛ لأنها دائماً تخاف من الوقوع في مساحة التقصير.

إنّ قاضي العدل لا يُصدر الحكم قبل الاستماع إلى الماثل أمامه، فدعنا لا نصدر أحكاما ظالمة ولا نتخيل حياة قد لا تكون حياتنا.. فعلم الغيب يبقى عند عالم الغيب! وصلاح الزوج أو الزوجة نعمة ينعم اللّه بها على من يشاء، بغض النظر عمّا نراه نحن البشر في بَعضنا البعض.