القارئ لا يهزم

381

لم يكن مدحا مُبَالَغاً فيه حين وصف الأديب طه حسين الكاتب أنيس منصور بأنه أكبر قارئ في العالم العربي، فأكبر قارئ وحده من يستطيع أن يُخبرنا أن “القارئ لا يُهزم”، أجزت فأوجزت في مزايا القراءة، لأن الحياة فعلا لا تَنَالُ من شخص يَتَّخِذُ من الكتب سِلاَحاً في حروبه الشخصية، وعُدَّتَهُ للصِعاب أيّا كان ثِقلها. كلنا نعلم أن القراءة مكسب الأسلوب الراقي والذوق الرفيع، وأنها مدرسة في الاختيار الصائب، وأنها كانت ولا زالت غداء الروح والعقل، وقد يُنصح بها في بعض حالات المرض الجسدي. وكما قالت الصغيرة العميقة مريم أمجون بطلة تحدي القراءة لسنة ٢٠١٨: “القراءة مستشفى العقول الذي تتعافى فيه الأذهان والمدارك من كل العلل”.

وفي تدوينتي هذه، أؤكد على أن القراءة فِعل خالٍ من أي سلبيات قد تُذكر، ِنقبوا تنقيباً وابحثُوا جيّداً في كل ركن في الحياة، ولن تجِدوا أي ضرر يُنسب لها، لا توجد أية خسارة في أن تَحمِل كتابا بين يديك وتنغمس فيه. القراءة عالم مُتاح لك على الدوام، والكتب حلبة مستعدة للمبارزة الفكرية متى أردت أنت أن تكون بطلا حقيقيا، ولعل سر انجذاب البشر لها هو أنها سلِسة في تعاملها، وطقوسها الخاصة بسيطة الإعداد، والكتب لم تكن يوما صاحبة مصلحة، ليست لها أعذار قد تُغيّبها ولا تحكُمها أيّة ظروف، فهل سمعتَ يوما ما مثلا عن كتاب أَحكَمَ غِلافه في وجه أي أحد؟ القراءة حنين وشكوى، القراءة حيرة وعذاب ونجاة، والكتب عزوة وأنفة ونخوة، وحصن منيع في وجه الضياع…

وحتى لا تَمُرَّ أوقات فراغك بسرعة اقرأ كتابا، وسَتَجِد لذة لا تُعادلها لذة، اترك نفسك للكتب وهي ستهتم بك، كن مُطمئن البال في صحبتها. والكتب كما الأدوية، ولكل داء دواء؛ فهنالك كتب يُنصح بها في حالات الوحدة والخيبة، وهنالك كتب لا تنفع سوى أوقات الفشل وفتور العزيمة، وتوجد كتب متعددة الاستعمالات، للصدمات والأزمات والنكسات…

وتلك الكتب التي لا يمكن أن تُطبَعَ هكذا ولا يأبها لها أحد، إنها مثل أسبرين الروح. وأجمل ما في الكتب، أنها تمنحك جرعة مما تحتاجه قبل أن تطلُب أنت ذلك، تمد يد العون دون أن يكون هنالك طلب فعلي لذلك العون…أحيانا تكون الحروف أقرب إليك من أي شخص آخر. ومن يُدير ظهره للكتب، يَحجب عن عقله الرؤيا الواضحة، ففي هجران عالم القراءة حِرمان من مساحة شاسعة من الخيال تَتَّسِعُ مع كل قراءة جديدة، لتصنع لك واقعا أجمل. أما على المستوى الشخصي، فإني أدين لها بالكثير؛ فقد ساعدتني الكتب أن أجتاز مِحَناً كثيرة، كانت سندا لي أيام الشتات وقلة الحيلة، مدَّتني بالقوة اللازمة لأنهض من جديد على غير ما مرة، وعلى غير ما مرة لم تَمُدني أي شيء عدا الاكتفاء.

وقد سألتني صديقتي ذات مرة ونحن نتسّوق ما لذّ وطاب من جديد المكتبات: كان الأحرى أن تقرأي تلك الكتب التي اشتريتها سابقا ولم تقرئيها بعد، لم تُصرين على اقتناء المزيد من الكتب وأنت تعلمين أنك لن تقرئيها الآن؟ فأجبتها: لكل منا مُدخراته، وأنا دخيرتي تلك الكتب التي لم يَحِن الأوان بعد لأقرأها، سيأتي الدور عليها يوما ما. مكتبتي الصغيرة بمثابة كشف حساب للادخار؛ لأني أؤمن أن الكتب وحدها من تَفُكُ أزمتي، وبعاميّتنا المغربية: “تلك الكتب هي كل ما أَعددتُ لدواير الزمان”.

تتّهمني صديقتي بالفلسفة المُفرطة، ولعلّي ألتمس لها كل الأعذار، فلا دِراية لها على شكل العلاقة التي بيني وبين الكتب؛ إذ أنها لا تعلم أن ورقيّة مثلي لا تستهويها سوى رائحة الكتب. ولو كان جائزا للمسلم أن يصطحب أغراضا معه إلى قبره، لاخترت أن تُدفن معي رزمة من الكتب أنتقيها بعناية فائقة، سآخد معي تلك الكتب التي حقّقت لي وأنا في الحياة أسمى معاني الاحتواء.