خمس معالم على الطريق

1٬686

لعلني أشرت في أكثر من مرة، في مقالات سابقة، إلى أن من أبرز كبريات المشاكل التي يعاني منها نظامنا التعليمي مشكلة التوجيه، وخاصة بالنسبة للتلاميذ الذين يحصلون على الباكالوريا، ثم يجدون أنفسهم، بشكل مفاجئ، مضطرين لاتخاذ قرارات مصيرية في حياتهم، دون أن يكون لديهم من المعرفة والتجربة القدر الكافي الذي من شأنه أن يجعل قرارهم باختيار التخصص، الذي سيتابعون فيه دراساتهم العليا، قرارا صائبا، أو أقرب إلى الصواب على الأقل.

إن هذه المرحلة الحاسمة في حياة كل شخص – حيثُ ينتقل من تلميذ يُفرَضُ عليه ما يدرسه في المرحلة الأساسية، إلى طالب عليه أن يختار بنفسه ما يريده، للاستمرار فيه، من أجل تنمية شخصيته من جهة، ومن أجل الحصول على شهادة تؤهله لولوج سوق الشغل من جهة ثانية – هذه المرحلة تحتاج إلى أن تكون مسبوقة بتوعية هؤلاء التلاميذ بأهمية المرحلة التي هم مقبلون عليها؛ لأن الكثير من الأخطاء القاتلة في حياتنا تقع في هذه المرحلة بالضبط. إن إساءة الاختيار في هذه المرحلة جعل الكثير من الناس يجدون أنفسهم في تخصصات لا يحبونها، وفي مِهَنٍ لا يتحملون ضغوطاتها، ويتلقون أجورا لا تكفيهم لتلبية حاجياتهم. ولو أنك سألت أكثر من شخص اليوم: “لو عاد بك الزمن إلى الوراء، هل كنتَ لتختار هذا التخصص نفسه، أم كنت ستختار شيئا آخر؟” ستتفاجأ بأن معظمهم سيجيبك بالنفي: “ما كنتُ لأختاره”، سيفضلون اختيار شيء آخر.

فالكثيرون يكتشفون، بعد حينٍ، أنهم لم يحسنوا اختيار ما يلائمهم، وقلة قليلة هم هؤلاء المحظوظون الذين يختارون شيئا يلائمهم، ولم يندموا على اختياره بعد أن مضى بهم الزمن. ومن الواضح أن استقصاء كل الأسباب التي تجعل الناس يتخذون قرارات خاطئة أمرٌ غير ممكن في مقال صغير كهذا المقال، وحسْبي أن أنبهَ إلى أهم هذه الأسباب، وسأكتفي منها بخمسة، وإليك هذه الأخطاء مفصلة تفصيلا:

أولا: الوقوع في فخ المقارنات، وهو من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها أغلب الناس، وذلك حين يقارن المرء نفسه بغيره، وحياته بحياة غيره؛ فالمقارنة تؤدي بك إلى اتخاذ قرارات خاطئة، حين تفترض أنك ستنجح في أمر ما، مثل ما نجح فيه فلان وفلان، وتتجاهل الاختلافات القائمة بينكم، كما أن المقارنة قد تقوم حاجزا بيننا وبين الاستمتاع بنجاحاتنا النسبية التي نُنجزها في حياتنا؛ فإنك تجدُ المرء في وضعٍ جيد، ويحقق نجاحات معتبرة، لكن دائما ما يقارن نفسه بغيره، فيكتشف أن بينهما فوارق كبيرة، فيبدأ سلسلةً من ردود الأفعال تبدأ باهتزاز الثقة بالذات، والتشكيك في صحة المسار الذي يسير فيه، وتنتهي بالإحباط. فإذن لا ينبغي الوقوع في فخ مقارنات الذات بالغير؛ لأنه كما نختلف في ملامحنا وجيناتنا وأجسامنا، نختلف في تركيبتنا الذهنية، وفي أهدافنا في الحياة. ونحن حين نقرأ تجارب الآخرين، ونستمع إلى نصائحهم، لا يكون غرضنا أن نكون مثلهم، وإنما يكون الهدف أن نعرف كيف واجهوا تحدياتهم، وكيف تغلبوا عليها، لنستفيد من أخطائهم بالدرجة الأولى ونتفادها، وكذا من قراراتهم الصائبة في الدرجة الثانية، دون أن يعني ذلك أننا ينبغي أن نكون مثلهم، وأن نسير على نفس الخطى التي ساروا عليها.

ثانيا: استسهال اتخاذ القرارات، وهو من الأخطاء الشائعة أيضا، وذلك أن الكثير من الناس يكتفون بأول ما تقع عليه أعينهم، ولا يكون لديهم الصبر الكافي لتقييم كل الخيارات الممكنة والموازنة بينها، واتخاذ قرار صائب بناء على معطيات كافية، وبناء على وعيهم بذاتهم وما يلائم نمط شخصياتهم. ولعل من الأسباب التي تقف وراء هذا الخطأ أن كثرة الاختيارات المتاحة، اليوم، تؤدي إلى صعوبة الاختيار، كما بين ذلك باري شوارتز Barry schwartz في كتابه The Paradox of Choice : why more is less. والذي يمكن ترجمته بـــ “مفارقة الاختيار: لماذا يتحول الأكثر أقل؟ فكلما كانت المعلومات كثيرة، والاختيارات كثيرة، كنتَ أقل اقتناعا بصحة القرار الذي تتخذه؛ وبيان ذلك أنه كلما كثرت الأشياء التي يشملها الاختيار كنتَ بحاجة إلى أكثر من عملية ذهنية، للترجيح بينها واختيار أحدها، فحين تخير بين شيئين يسهل اختيار الأفضل بينهما، لكن كلما زاد العدد ازدادت صعوبة الاختيار.

ثالثا: محاولة إرضاء المحيط الاجتماعي، وخاصة الآباء. فإذا كان التحدي الذي يواجه التلميذ بعد الحصول على الباكالوريا هو أن يختار ما يلائمه هو؛ نمط شخصيته، وقدراته، وتركيبته الذهنية وميولاته المعرفية، وقابليته للتكيف في مجال التخصص الذي سيختاره، ومدى انسجام ذلك التخصص مع طموحاته الشخصية، فإن الذي يحصل في الغالب هو أن الكثيرين يختار لهم آباؤهم، أو هم يختارون لإرضاء رغبات آبائهم، أو لإرضاء توقعات محيطهم بشكل عام. دون أن يكونوا متأكدين إن كان ذلك ما يريدونه أم لا، وما أن يمرَّ عليهم بعضُ الوقت حتى يندموا، فيجدون أنفسهم بين خيار الاستمرار في شيء لا يناسبهم، وبين التوقف والبدء من جديد، والأمران أحلاهما مرٌّ.

رابعا: الخوف من الخطأ؛ ذلك أننا رُبّينا على أن الخطأ شيء قبيح، وأن الخطأ مذموم في كل حال، وهذا غير سوي؛ فالخطأ جزء من طبيعتنا الإنسانية، و”كل ابن آدام خطَّاء”، والخطأ في كثير من الأحيان يكون أولَ خطواتنا للنجاح، وذلك حين نحسن الاستفادة منه. يمكن القول: إن القرار الجيد نتيجةٌ للتجربة، والتجربة نتيجةٌ لقرارات خاطئة. ومعنى ذلك أنك لكي تتخذ قرارا جيدا يجب أن تكون لديك التجربة الكافية، وهذه التجربة إنما تكتسبها من مجموع أخطائك السابقة. فإذن لا عصمةَ لأحدٍ من الخطأ، فكلنا سيتخذ قرارات خاطئة في وقتٍ من الأوقات، بل والأهم من ذلك أن اتخاذ تلك القرارات غير الصائبة ليس سيئا دائما كما قد يعتقد الكثيرون؛ لأننا نستفيد منها فيما بعد، وهي التي تُنضج شخصياتنا أكثر، وتجعلنا على معرفة جيدة بما نريد. ولا مناص لنا من خوض التجارب؛ لأن الحياة الافتراضية لن تكون أبداً كافية لإنضاجنا وإنضاج قراراتنا في الحياة.

رابعا: إلقاء اللوم على المحيط الاجتماعي والعائلي، يَنزَعُ كثير من الناس إلى إرجاع فشلهم إلى ظروفهم الاجتماعية والعائلية غير المساعدة، وعلى العكس من ذلك يحاولون تفسير نجاحات الآخرين بظروفهم الاجتماعية والعائلية الجيدة. والبيئة فعلا تؤدي دورا ما في اختياراتنا، ومدى نجاحنا فيها، ولكن هذا الدورَ ليس محددا، وليس رئيسيا، بل هو دور تكميلي ثانوي؛ لأن الشخص الذي يولد في عائلة ميسورة مثقفة، في الواقع، هو أكثر حظا من الذي يولد في عائلة فقيرة وغير متعلمة، ولكن المحدد الرئيس في نجاح الشخص من عدمه هو الشخص نفسه: هل له إرادة حقيقية أم لا؟ هل له قابلية لتحمُّل الصعوبات التي ستواجهه أم لا؟ هل سيصمد أمام التحديات إلى أن يحقق ما يرنو إليه أم لا؟ فالمحدد في النجاح هو الجهد الشخصي بالأساس، وباقي العوامل الأخرى هي عوامل تكميلية غير محددة.

خامسا: البحث الدائم عن الشغف والمتعة: وذلك أن كثيرا من الناس يعتقدون، توهُّـماً منهم، أن الناجحين إنما يحركهم الشغف فقط، تحت تأثير ما تُـروّج له “صناعة التنمية الذاتية” مِن أن الشغف هو التفسير الوحيد والأوحد لنجاح الناجحين، وهذا خطأ كبير؛ لأن واقع هؤلاء الناجحين، إذا وقفتَ عليه، لا تجده كذلك؛ فذلك الطبيب، الذي يراه الناس إنسانا ناجحا، له عمل شريف ومدر في الآن ذاته، ويبدو أن عمله مريح، ويعيش حياة هادئة، حين تتحقق من واقعه لا تجده كذلك؛ فحين تراه في غرفة العمليات ستجدهُ في حالة من الضغط الرهيب والإرهاق البدني والنفسي الشديدين، وهو ما قد لا يتحمله الكثير من الناس، وحينها ستعرف أن الشغف ليس كافيا لتفسير ما يبدو لنا من نجاحاته؛ لأن خلف ذلك كلّه الكثير من المعاناة والضغوطات التي تقتضيها طبيعة المهنة؛ لأنه إذا كان خطأ المحامي مثلا يؤدي إلى خسارة موكله للقضية، فإن الخطأ في الطب في كثير من الأحيان يكلف حيوات الآخرين، وهذا يجعل مسألة الضغط في العمل مضاعفا.

يمكن أن نقول: إن مفهوم الشغف-passion كما هو في الجذر اللاتيني passer يُحيل إلى المعاناة-souffrance. فيكون المعنى أن تكون لديك القابلية لتعاني من أجل تحقيق ما تريده، من أجل النجاح في تحقيق مرادك، رغم كل الآلام التي ستواجهك وكل الصعوبات والتحديات، وبهذا المعنى يكون ربطُ النجاح بمسألة الشغف أمراً معقولا ومقبولا؛ إذ من المهم أن تسأل نفسك قبل الاختيار: هل أنت مستعدٌّ لتحمُّل المعاناة في سبيل ما تختاره أم لا؟ لأنه لا توجد نجاحات جاهزة، بدون أية تكاليف، فكل اختيار إلا وله كلفتُه. ومن تمَّ لا بدَّ من تقدير هذا الشيء الذي نختاره: هل يستحق تضحياتنا، ووقتنا، وطاقتنا؟ فطالب الطب لن يتخرج طبيبا جراحا إلا بعد أن يقضي ثلاث عشرة سنة من حياته، فلا بد أن يقدر: إن كان ذلك ما يريده ويستحق منه هذا الوقت كله أم لا؟ وتجدر الإشارة، ختاماً، إلى أنك سوف ترى الناس على مواقع التواصل يشاركون “نجاحاتهم” وربما قد تنتابك بعض الشكوك: هل أحسنت الاختيار؟ وهل أنا على الطريق الصحيح؟ ولكن ذلك لا ينبغي أن يزعزع ثقتك بنفسك، ولا أن يَحيدك عن هدفك، كما أنك ستواجه أناسا، وقد يكونون من أقربائك، لا تُرضيهم اختيارك وقراراتك، وكلُّ ذلك طبيعي، فقط تذكَّرْ أنك لستَ موجوداً لإرضاء أحد، وإنما الذي عليك أن تعاملهم بالحسنى في حدود المعروف وعلى قدر استطاعتك.