وإن عمت لن تهون!

258

نفاذ صبر أم استسلام لواقع مرير، حجة واهية اتخذت شعارا مقدسا تكمم أفواه الحلم فينا، وتحمينا من حرقة التأنيب، لكن تضعنا في ظل ليس بذلك المريح كما يبدو.

مقالات مرتبطة

“إذا عمت هانت”، لطالما استفزتني هذه العبارة، تجسيد لقتل الروح الطموحة والنفس المتعطشة للتميز والنجاح، شبيهة لقارب نجاة وسط المحيط، يوصلك بمشقة الأنفس لأي بر كان ليس من اختيارك، وكأنك تستسلم للقدر، هذه العبارة في حد ذاتها خنوع للواقع، سواء قيلت في المصيبة أو الفرح، لا أظن أن حياتنا تحتاج إلى مزيد من النمطية، إلى مزيد من التشابه في الأفكار والأفعال والأهداف، ترى ما الذي يجعل من قول كهذا أو مماثل قوي هكذا؟ ولماذا نزرع في نفوسنا بذور الفشل والكسل؟ تساؤلات كثيرة تراودني تحمل في طياتها تهما صريحة ولوما كبيرا.

الحياة تجارب، تعلن انطلاقتها أول صرخة، حبست في الرحم شهورا عديدة، صرخة خلاص وبداية حكاية جديدة، مقتنع إلى أبعد حد أن الأصل فينا هو الاكتشاف والإصرار، فقبل أن يعي الطفل بما حوله يبدأ بالصراخ كردة فعل عن كل ما يزعجه، رافضا بذلك وضعه الحالي ومبديا مقاومة شديدة، مع كل ما يمكن أن يتكبده من آلام، فعندما يقرر الطفل المشي، يتعرض لسلسلة من السقطات المتتالية المؤلمة، التي لا تنقص من إصراره شيئا، فبعد السقوط الأول ثم الثاني والثالث يأتي أجمل انتصار، هكذا هي الحياة، تجارب واكتشافات من رحم الآلام، ثم قوة ومناعة مدى الحياة، وكذلك أهداف فردية العزف وخاصة اللحن، غير مرتبطة بأناس آخرين، مستقلة عن فشلهم كان أو نجاحهم.

على عكس قول: “إذا عمت هانت” الذي يحمل في خاطره الكثير من المقارنات والنرجسية، فما همنا نحن إن فشل فلان أو نجحت فلانة، على طموحنا أن يكون مقترنا بهدفنا فقط، أن نركز ما أمكن على نجاحنا، وإن فشلنا علينا الوقوف عند الأخطاء واستخلاص العبر ثم استئناف رحلة النجاح مرة أخرى بقوة أكبر. لا يتقبل أي منطق أن نتنازل عن أهدافنا لمجرد أن غيرنا لم يستطع تحقيقها، بل يجب أن يتحول الوضع إلى دافع وهاجس سواء لتكون من السباقين أو من الملتحقين.

أعتبر التعلق بهذا القول كبحا لما جبلنا عليه، لم نخلق ضعفاء، وإنما بعض خصائص مجتمعنا والأفكار المتداولة هي التي رمت بثقلها، وحولتنا بشكل رهيب هكذا؛ حيث بنت في منطقة اللاشعور عندنا عراقيل ومنحتنا مبررات تعزينا، وتغري كل نفس ميالة للخمول، فكل منا لديه جانبان؛ فالطموح والكسل كالميزان، إن أثقلت كفة الطموح قتلت الكسل والعكس بالعكس., لربما أصبح خطاب التحفيز والإيجابية متداولا، لكن لم نتحدث يوما عن أسباب السلبية لانتزاع الورم من الأصل لا تجميل الفرع فقط..

يكفي البحث في الزوايا الضيقة والخروج من قالب المألوف لكي نرى أمثلة حية لم تؤمن يوما بهذا القول، وكم نحن محظوظون بهم، نذكر منهم من أدخل النور إلى حياتنا وجعل من ظلمة الليل أحلى اللوحات، طوماس أديسون، خرج عن المألوف وتجاوز كل العراقيل ولم يكتف يوما يكونه رجلا عاديا، بل كافح إلى أن قدم لنا مصابيح أنارت دروب العالم بأسره، رافضا عزلة الليل وظلمته، نذكر أيضا من جعل من وصال الأفراد عبر الهاتف ممكنا، ومن منح جهده لتفسيره الظواهر، وأساليب العيش، كل ساهم بجهده ومثابرته، وبفضلهم نعيش في ظروف أفضل؛ ففي ظل البحث عن الذات وتحقيق الأهداف نفتح المجال لآخرين من أجل التعلق بالحلم والأمل.

والأمثلة عديدة تستحق الذكر والثناء، فإن لم تستطيعوا فامتنعوا، امتنعوا عن قتل أحلام الآخرين، لا تخبروهم بوجود أقوال مماثلة، فالحلم هو نافذة الأمل والأمل هو كل ما نرجوه من أجل البقاء في هذه الحياة.