أبي

514

علاقتي مع أبي هي أول علاقة حب في حياتي و أجملها على الإطلاق.
علمتني أن الحب مبادئ حياة، أخلاق و تضحية.

غريبة هي هذه المقدمة ، فكيف لي مقارنة حبك يا أبي بأي حب آخر ، ففي حضرة حبك تنصهر كل الأحاسيس الأخرى ، تعجز الكلمات و تفقد معناها.

أراك اليوم، و قد أقبلت على الستين ، لم يغير فيك الدهر شيئا غير لون شعرك الأسود.

فأنت وفيّ دائما لمبادئك يا أبي، وفي كما عهدتك..

بقيت وفيا لعهد الكرم، كرم الأفكار و النصيحة و المساعدة، فأنت علمتني أن بركة الحياة الكرم المادي و الفكري خاصة.

بقيت وفيا للأمانة، أمانة المبادئ و شهامة المواقف.
رغم شح كلماتي ، فأنت كنت ترى من دون شك بريق فخر في عيناي حينما كنت تحكي لي عن الأمانة و الشجاعة و التشبث بالمواقف.
نعم فحينما اختار البعض مصاعد نجاحٍ جَشِع بخيانة كياناتهم الفكرية، اخترت انت تسلق مصاعد الاستحقاق بقناعة و صبر ووفاء.

لقد بقيت على مر السِنين ذلك الأب الحنون و الشديد الصرامة في نفس الوقت
و تساءلت أنا على مر السنين كيف استطعت أن تخلق هذا التوازن العظيم بين هاته المتضادات؟
كسمفونية جاز عميقة تدخل إلى مسامعك تغمرها شجناً و في لحظة غير منتظرة يأتي صوت الساكسوفون ليحيي في قلبك رقصة سعادة جميلة .

و قد علمتني كل يوم مند ستة وعشرين سنة بتفانٍ عظيم معنى الحب.
شاهدتك يا أبي و أنت تحب أمي بصدق ووفاء كل يوم.
فأنا كغير طفلات سني، لم أحتج قط لفيلم مكسيكي أو تركي لأرسم ملامح معاني الحب في مخيلتي.
لم أحتج ذلك لأني كنت أستيقظ كل يوم على لوحة حب جميلة استلهمت منها معالم و ثوابت الحب التي أؤمن بها اليوم.

علمتني أن الحب اهتمام..
فأنت أب يهتم بالتفاصيل الدقيقة لمن يحب، تلاحظ ابتسامة تخفي حزنا، و نبرة صوت مرتعشة عبر الهاتف، و نرفزة تخفي خيبة أمل.
في بعض الأحيان نحن في الحب، فقط نحتاج أن يلاحظ الآخر أننا لسنا على ما يرام، فقط الملاحظة تكفي. و كان يستحيل يا أبي أن أخفي عنك شيئا.

علمتني أن الحب استثمار..
فانت استثمرت عمرك و راحتك و نفسك وعرق جبينك و وقتك في حبنا
كنت أنا وأخي استثمارك الأجمل، الذي كنت تحصي بشغف نجاحاته. كنا أسهمك في بورصة الحياة التي كنت تخاطر بكل شيء من أجلها.
إنني لم أسمعك قط تشتكي من قساوة الاستيقاظ فجرا للذهاب إلى العمل و لم أتذكر أنك كنت تتذمر من عمل ليلي شاق حتى الفجر، و لا سمعتك تتذمر من يوم عيد أجبرت أن تعمل فيه.
أعتذر منكم يا رجال العالم لكن الحب مسؤولية لا تليق إلا بأبي .

ثم علمتني يا أبي أن أكون امرأة..
فقد سجلتني في رياضة فنون الحرب كما أنك سجلتني في الجيمباز فلم تؤمن أبدا أنه توجد نشاطات خاصة بالرجال و أخرى بالنساء..
علمتني أنني لم أخلق كي أتزوج و أرعى الزوج و الأطفال فقط.. بل علمتني أن المرأة كيان فكري و طموح و حياة و نجاح..
علمتني أن لا أخاف من شيء أو أحد..
فقد كنت و لازلت تلك الطفلة التي تقول لا أريد و لا أتفق و هذا لا يتطابق مع أحلامي..
تلك الطفلة التي كانت في عمر الخامسة تسألك لماذا تعاقبها و تساومك في العقوبة..

علمتني يا أبي أن نجاح المرأة ليست رجلا بل هي سفر وشغف ودراسة وعمل وثقافة وحياة وسعادة..
إنك يا أبي كنت تحاور عقلي دائما، فتعلمت أن جاذبية المرأة أفكارها و عقلها ومبادؤها..