أهي إعاقة مجتمعية ؟

182

ويحدث أن تجد نفسك في خضم الصراع الحاصل بين أفراد مجتمع يخال أنهم اللبنة الأساس في تكوين وتطوير بقعة العيش المشتركة، والمساهمة في بناء الحيثيات الثقافية، وتأهيل القدرات العقلية والنفسية لبعضهم البعض، وكذا الاتحاد والمشاركة الفعالة في مواكبة دينامية الفترة الحياتية التي تجمعهم على هذه الأرض، وتخفيف مشاحنات وجودهم المشترك والقسري.

يفضل البعض الاختلاء بالذات والبحث عن العزلة هربا من كل مسببات الصداع والضجيج الداخلي…قد يكون سبب ذلك مجموع الاصطدامات والاحتكاكات بين العنصر البشري، سواء أكان هذا التصادم نتاجا لسطحية الأفكار وخُلوٍّها من أساليب التحليل المنطقي والعقلي المحضين، أي ما يؤدي بالحوار البناء والإقناع العملي إلى القاع، أو حتى تضاربا في المصالح واختلاف الوجهات والمواقف…

وغالبا ما تكون الأسباب المباشرة في كل هذه الصراعات والتنافس الوحشي هي: غياب روح الأنسنة والتضامن الاجتماعيين، وفقدان التلقائية والعفوية في المعاملات والسلوكيات، والسماح لطغيان الأنا السلبية على العلاقات، وكذا تهميش الغير واحتقاره، وقد يتصدر كل هذه الأسباب انتشار ثقافة الاستهزاء وانحطاط أسلوب النقد.

في بلادي عبارات متداولة ينظر إليها بكونها صغيرة وبسيطة لكنها كفيلة بأن تصفع أحلاما ومخططات قد تُبعد عن الاستحالة والتعجيز بُعد السماء عن الأرض، من قبيل: “من نيتك” لو ترجمنا هذا المصطح العامي من الدارجة المغربية حرفيا سيعني أنك لن تبلغ موطأ قدمك مهما خططت ودبرت ونفذت وتوكلت وسلمت، أي أنك تستنزف طاقتك على السراب.

لقد غدا هذا المصطلح من منظور اجتماعي أنثروبولوجي عاديا صالحا للاستعمال متى ما سنحت الفرصة، بل وقد أصبح مصطلحا حديثا متداولا لدى الشباب المغربي يعبر به عن نقد واستهزاء واعتراض وحتى عن عبث بالكلام ولهو بالحديث، لا يدري الناطق به مدى تأثيره على الآذان الصاغية المنصتة والمحللة للكلام.

“ذاك مجرد غبي” مصطلح يضرب كل مبادئ الاحترام وتقدير القدرات الذهنية والعقلية للغير، المنصوص عليها بجميع أنواع العقود الاجتماعية الدولية وحتى المحلية، ويذهب إلى الإقرار بدونية تفكير الفرد الموصوف مع سبق إصرار وترصد عشوائيين، دون امتلاك أدنى فكرة عن حالته النفسية والعقلية وحتى الفيزيولوجية، ودون أدنى دراسة مسبقة للتنشئة الاجتماعية الحاضنة له.
والعديد من المصطلحات العشوائية الأخرى التي تقتلع النفوس ويشمئز لها العقل الواعي.

في مجتمعي، كما في أغلب المجتمعات بكل أرجاء العالم، يساهم أفراد المجتمع في تدمير بعضهم البعض، ويستمرون في بناء عالم من القمع والتحطيم يعمل على حيونة الإنسان وتحويله إلى وحش بشري قادر على استزاف طاقات الغير وحمله على الشعور الثقيل بوجوده.