لنبك على الأحياء…فالبكاء وراء الأموات خسارة

290

تخيل معي، في صباح باكر، تستيقظ وكلك حيوية وإقبال على الحياة. برنامجك اليوم حافل، عمل، ودراسة، وفُسحة، وغيرها…لكنك بمجرد الإمساك بهاتفك لإسكات المُنبه، تجد رسالة نصية: “لقد توفي عمك هذا الصباح”..
يتجمد الدم في عروقك، وتتلاطم الأفكار داخل رأسك، فتقف محصوراً بين ما تراه عيناك، وما يتمناه قلبك…أرجوك، يوم واحد فقط، نصف يوم، أو أقل بكثير، أرجوك كُنت سأزورك يوم غد لنتحدث معا، تتحفني بوجهات نظرك الفريدة للأمور، تُشجعني على المضي قدماً، تماما كما كُنت تفعل حينما كُنت صغيراً…دائما كنت تحثني على مطالعة الكتب، والتفاني في طلب العلم، والإتقان في أداء العمل…أرجوك، فقط، مسافة الطريق، وسأجلس قُربك كي تُصحح لي ما أتفوه به من أخطاء لُغوية، كي تُربت على ظهري وكتفي…

تتوسل، وتُنادي، وتصرخ، وتبكي ثم تنهار.. فلا صدى يُرد لندائك، ولا تغيير يُحدثه نحيبك..

الموت ليس نهاية للميت، بل هُو حياة جديدة يعيشها في نعيم أو جحيم، فتلك أشياء لا نعلم عنها شيئا، ولكن نرجو للجميع راحة بعد الوفاة. الموت هو نهاية للأحياء، ورقة أخيرة تُطوى بلا رجعة، فرصة لا تليها أختها، ساعة نزلت كُل حبات رملها..
نبكي بحرقة حين وفاة قريب أو حبيب، أغلبنا ينوح من ألم الفراق، ألم البُعد، ألم الفَقد…لكن الأجدر بالبُكاء من أجله، هو ألم التقصير في حق الميت عند حياته..
يموت الواحد منا، فتنمحي فجأة كُل الضغائن والخلافات، ولا يجري على ألسنتنا غير ما يُثني عليه، نتذكر شيمه وخصاله، نُعدد مئات المواقف الطيبة التي جمعتنا به. لكن انتظر بُرهة، ما فائدة ذلك والرجل قد لاذ بالتراب ملجأً؟ أليس من الأجدر البُكاء حسرة على عدم إخبارنا إياه بذلك وهو على قيد الحياة؟ ألم يكن هو أحق الناس بسماع من يُثني عليه ويُعدد فضائله؟
أكثر ما آلمني في وفاة عمي، أنني حينما ولجت منزله، صُدمت بأن لا أحد عرف من أنا، وأنا أيضاً لم أتعرف على أحد، فصرت كسارق تسلل خلسة لمجلس نساء..

 

 

ما يستحق البكاء حقيقة، حينما تُسلم على ابن عمك أو ابنته، فلا يعرفك ولا هو يتعرف عليك؛ لأن الزمن فعل فعلته الشنيعة في تشويه معالم الطفولة البريئة على وجوهنا، بعدما أحاط أعيننا بالهالات السوداء، والتجاعيد التي تُشبه الأخاديد العميقة، بينما غزا رؤوسنا احتلال صار يُزاحم سوادها القاتم ويُحيله بياضاً لامعاً..
محزن حقا، ومُثير شكلنا للشفقة، حين ننظر إلى أبناء إخوتنا فلا نتعرف إليهم، ولا نتذكر أسماءهم حتى…وكم نحن تافهون إلى حد التقزز حينما نسأل الأطفال ابن من أنت؟ ويُجيب ببراءة: “أخبرني أولاً من أنت؟”، ولسان حاله يصفعك، يلومك قائلاً: “وما ذنب طفولتي البريئة، لتتحمل تبعات التفرقة بين أفراد الأسرة الواحدة؟”، “لماذا أدفع ثمن نُضجكم المُزيف الذي جعلكم عبيداً لوظائفكم وروتينكم اليومي؟”..

ما يستحق البُكاء حقيقة، بل لطم الوجوه حسرةً، حين لا تجتمع الأسرة إلا عند رحيل أحد أفرادها، كأننا قوم يحب الانجماع على الأحزان، ويتعطش للدموع والتحسر على ماضي الزمان..
لا تؤجل رؤية شخص تحبه، ولا تتردد في الاتصال بمن تود الاطمئنان على حاله، لا تتهاون في مساندة من كان سبباً في حبك للعلم والحياة…فربما يموت قبل أن تسلم عليه، قبل أن تنعم بابتسامته العريضة وهو يسأل عن أحوالك، قبل أن يداعب شعرك كما كان يفعل في طفولتك، قبل أن تستغرقا في أحاديث ونقاشات كثيرة..
قبل أن يفوت الأوان ولا تجد فرصة حتى للنظر إلى جثمانه، قبل حتى أن تشيعه إلى مقامه الأخير..
زوروا ذويكم، وعرفوا أبناءكم أن لكم أعماماً وأخوالاً..
لا تستغلوا براءتهم لتصفية حساباتكم، واعلموا أن لهم أجداداً وأخوالاً وأعماماً، والأهم أباً وأماً، فإنهم لم يأتوا لهذا العالم كما جاء إليه السيد المسيح..
أفشوا السلام بينكم، وأخبروا أحبابكم بالجميل من خصالهم، فهم أحق بذلك من المُعزين..