وفيك انطوى العالم الأكبر

1٬832

في العام الماضي، كنتُ دُعيت للمشاركة في نشاطٍ نُظّم لفائدة طلبة المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بمراكش، واختارت له اللجنة المنظمة شعار: “From Zero to Hero”، وبعد اطلاعي على هذا الشعار شرَعتُ أتأمل: هل يصح أن نصف الإنسان بأنه لا شيء، صفر؟ هذا الكائن المكرَّم، الذي هو ثمرة نفخ إلهي، والذي خلقه الله في “أحسن تقويم”، و”فضله على كثير مِمن خلَق تفضيلا”.وقد كان من نتيجة هذا التأمل أفكارٌ، سأحاول جمعَ شتاتها في هذا المقال.

لعلَّ شعورَ الإنسان، أحياناً، بأنه فاقدٌ لأيةِ قيمةٍ، ليسَ وليدَ هذا العصر، الذي يمكن القول بأن الإنسان قد فقد فيه البوصلة، وإنما كان يراود الإنسان منذ القدم. ولذلك نجد في موروثنا الأدبي كلاماً يدلُّ على هذا، أو على شيءٍ قريب منه. ومن أشهره البيتان المنسوبان إلى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-:دواؤك فـيـك ومـا تُـبصر *** وداؤُك مـنـك ومـا تـشعـرُوتحسب أنك جِرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر.فشعور الإنسان بدونيته، وصِغَر قيمته أمرٌ واردٌ لا يُستغرَب، لكن ذلك لا يجعله فاقداً لقيمته الثابتة له، مِن حيثُ هو إنسان.

طبعا، لا شك أن مقصود اللجنة المنظمة كان نبيلاً، وهو تحفيز الطلبة للانطلاق في تنمية ذواتهم، والاستثمار فيها من أجل الانتقال من وضعهم الحالي إلى وضع أفضل، فكان هذا الشعار: From Zero to Hero، للتعبير عن هذا المقصود. ولعلَّ الصدى التي يتركه السجع بين كلمة Zero وHero في الأذن كان مثيراً زيادةً عن اللزوم، ما يجعل المتلقي يذهل عند التفكير في معناه ومدى صحته، وهذا من سحر اللغة. وعلى فرض معنىً صحيحٍ لهذا الشعار، فإن الذي يحدث، غالبا، وللأسف الشديد، أن نجد الشخص يتدحرج: from Hero To Zero. خاصة وأن مجتمعنا، الذي نعيش فيه، يُعلمنا الحذر الشديد، بل ويربينا على “فضيلة قلة الطموح”، حتى جرى في أمثالنا الشعبية: “سير حويطة ..حويطة”، و”لي خاف نجا”، فيَنشأ الناشئ فينا على الخوف من المغامرة، بل والخوف من النجاح، خاصة حين يكون النجاح كبيرا وملحوظا.

إن الذي أكَّدتْ عليه الديانات السماوية، ومنها الإسلام، أن الإنسان، من حيثُ هو إنسان، كائنٌ مكرَّم، أُوتي عقلاً، فكان سبباً في تكريمه، ومناطاً لتكليفه. غير أن هذا الإنسان مُقدَّر له الأجل الذي يعيشه، فلا يزيد عليه ولا ينقص، و”البطولة-Heroism”، كل البطولة، في التعالي على هذا البعد الزمني، وأن يصنع الإنسان لنفسه مجداً عابرا للقرون والأجيال، كما فعل كلُّ عظماء العلم والفكر والإصلاح. وهو ما عبر عنه القرآن الكريم على لسان إبراهيم: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء:84].

في كتابه الرائع “إنكار الموت” يتحدث “إيرنيست بيكر” عن الموت، وعن الخوف منه، وكيف يَضع الموت حدا لنزوع الإنسان إلى الخلود، خدعة إبليس الأولى: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ} [طه:120]، ويرى الكاتب أن هناك محركا يحرك الإنسان: هو الخوف من الموت. ولأجل هذا كان طبيعيا أن يطرح السؤال الوجودي: لماذا أعيش؟ والذي يترتب عنه بالضرورة: وماذا بعدُ؟ ثم يجيب بجواب مفاده أن الإنسان، بما هو جسد وروح، يعيش من أجل البطولة، ومن أجل السرمدية. والسرمدية هنا لا تعني شيئاً سوى بقاء ذكر الإنسان بعد موته، أو، بمعنى آخر، التغلب على بعد الزمن القاهر.

ومن أسف، أغلب الناس، عبر تاريخ البشرية، يُغلّبون الجسدي على الروحي، ويعيشون حياة بهيمية: يأكلون وينامون ويتناسلون، ويغفلون عن الجانب الرباني فيهم، وهو الجانب الروحي. فلا يبقى إلا قلة قليلة هم الذين ينجحون في تخليد أسمائهم في سجلات التاريخ. وانظر إلى أسماء الشوارع والأزقة في الثقافة الواحدة، لترى كيف أن الأسماء نفسها تتكرر، وإن اختلفت المدن والدول!
لكن، ما الذي يُمكن أن يُعين الإنسان على بقاء ذكره، وتخليد التاريخ لاسمه، والعيش خارج عمره؟إن التأمُّلَ في سيرة الكثير من المخلَّدين في تاريخ البشرية سيقودك إلى حقيقة وحيدة، وهي أن المشترك بين هؤلاء جميعا أنه كانت لهم رسالةٌ في الحياة، أفنَوْا أعمارهم في سبيل تحقيقها، وتحمَّلُوا ما تحمّلوا من أجلها، ولم يَنشغلوا عنها، ولم يُسوّفوا ولم يتماطلوا، ولم يَكونوا يلتفتون إلى ما لا يخدم رسالتهم، فكان لهم ما أرادوا، وكان جزاؤهم استمرار ذكرهم في الآخرين بتخليد أسمائهم في التاريخ.إن طبيعة الحياة، التي نعيشها في هذا العصر، حيث كثرت الملهيات، تجعل إيجاد هذه الرسالة أمراً صعبا، والعمل على تحقيقها بعد إيجادها أكثرَ صعوبة. فبغفلةٍ يسيرة منك، قد تجد نفسك أضعتَ يوماً بكامله، وربما أسبوعاً، أو أكثر من ذلك، دون أن تدري فيم أضعتَه.

إن هذه الصعوبة في التركيز هي ما دفعت بالبروفسور الشاب “كال نيوبورت” في علوم الحاسوب ، إلى تأليف كتاب “ديب وورك: عمل عميق”، وخصصه بالكامل لمعالجة هذه القضية؛ أعني كيفية التركيز على الإنجاز في العمل. قد تقول لي عزيزي القارئ: في الواقع، أنا لا أأمل في مجد يُخلّده التاريخ، ولا أسعى إلى ذلك، أريد أن أعيش حياةً عاديةً، وأموت كما يموتُ كلُّ شخص عادي. فلماذا سأُقلِق راحتي، فقط لكي يَبقى ذكري بعد موتي؟من حيث الظاهر، إذا كان ما قلتَ كما قلتَ، فهذا اعتراض معقول.
لكنّ الطبيب وعالم النفس التحليلي النمساوي فيكتور فرانكل لا يوافق على هذا الرأي. ففي تجربته التي ضمّنها في كتابه: الإنسان يبحث عن المعنى، لاحظ أن الذي كان يُحفز السجناء في معتقلات النازية للاستمرار في الحياة، وعدم التفكير في الانتحار هو أن لهم رسالة في الحياة، بغض النظر عن ماهية هذه الرسالة. وأما مَن لا رسالة لهم فلا يستطيعون المقاومة، وبالتالي كانوا يستسلمون وينتحرون. والقصد أن هذه الرسالة تَجعلك تتغلب على صعاب الحياة نفسها، لتعيشها بكل صعوباتها وتحدياتها. إن هذا الكتاب يمكن الخروج من قراءته بدرس واحد: وهو أن الإنسان يستطيع أن يتغلب على ضعفه وقصور إمكاناته من خلال التمسك بالمطلق، بشيء متعال.

طبعا، لا ينبغي أن يَهول الأمر عليك، أيها القارئ الكريم، حين تسمع كلمة “الرسالة في الحياة”، فليس المقصود إلا أن يكون لك أثر، أو، على الأقل، بعض أثر في محيطك، في حياة الناس من حولك، في وطنك، في الأمة، وفي البشرية جمعاء، كلٌّ بحسب طاقته وقدراته وعمله واجتهاده. أي أن تسعى غالبا لأن تحقق شيئا قبل مماتك؛ فبعد الموت لا مجال للاستدراك. وقد قيل: إن أكثر الأماكن المكتظة بالأحلام هي المقابر؛ لأن أغلب الناس، وبكل أسف، يسوفون ويتماطلون في العمل على تحقيق أهدافهم، حتى يجدوا أنفسهم على فراش الموت، فلا يدري حينها أيفكر فيما فاته أم فيما هو مقدم عليه؟ وحينها تُحيط به الندامة من كل جانب. وأين تنفع الندامة!
وقد أحسن الأوَّلُ حين قال:وكُن رجلاً إذا جاؤوا بعده *** يقولون: مرَّ، وهذا الأثر.