المحبوب في عين حبيبه

300

إذا تم الوصل بين الحبيبين والتقى طريقاهما وانعقد خيطاهما تحققت لهما أم الحاجات وتوفر لديهما أعز ما يطلب من المآرب وأرجى ما يراد من الرغائب، فعين الرضا عن كل عيب كليلة متغافلة وعين القرب عن كل ما سوى المحبوب منشغلة، ألا ترى أن الشيء أي شيء كلما قرب من عين الوجه حجب ما خلفه من العالم المزدحم بالأشياء حتى تلك التي تفوقه حجمًا واتساعًا ولفتًا للانتباه.

كذلك إذا اقترب خيال المحبوب من عين القلب شغلها بحضوره أمامه عما وراءه من مشاعر وإن كان فيها ما يثقل الكاهل، وحجب عنها بظهوره ما دونه من أجسام المسائل والهموم وإن كانت عظيمة جسيمة، هذا ما يصنعه خياله القريب وأثر تمكنه وذكراه في منظور قلب الحبيب، فكيف إذا كان المحبوب بجسمه وذاته قريبًا من ذات صاحبه وكيانه، ألا يصبح سيد زمانه ومكانه! ينسيه كل ما جال في النفس من مشاغل وما فيه من نقائص، فينظر إلى نفسه في بؤبؤ عين صاحبه القريب كبيرًا كاملاً براقًا صافيًا شفافًا أنيقًا رقيقًا، فينعكس مرآه بالكمال لنفسه بذلك الحال على سائر أجزائه وأعضائه وحاجاته ونقائصه الجزئية التفصيلية.

فتجد بذلك في قرب الحبيب أول الأمر أسباب المواساة والسمو عن النقص والعيب وفيما يؤرقها وعما يزعجها في ذاتها وصفاتها أو في غيرها، ومقام العزاء متوقف عند حد الانشغال، غير أنه ينتقل منه بعد تمكن الحب وتشرب القرب وبلوغ مقام الاكتفاء إلى سد الثغرات بفيوضات وجوده، وإحلاله محل الحاجات في حقوق الاهتمام، والاستقواء به لتحقيق السلام مع نفسه، منتقلاً من درجة المواساة إلى الرضا بالذات إلى مرتبة حبها لحب الحبيب لها.

وعليه فمن هجين القول في باب المحبين تصوير المحبوب على أنه نصف وشطر منفصل يتصل بشطره فيصيران ذلك القلب الأحمر المشهور يخترقه خط متعرج كأنه أثر إلصاقٍ وتلحيم، وهذا ربي توصيف بعيد يأتي بمثله من عرف الحب أو عرف محبًا أجاد وصف ما يجد، فالقول بالشطر والنصف كناية عن الحاجة إلى الآخر لتحقق الوجود الحقيقي الكامل وإكمال نصف ما يكتمل لا لحصول الوجود ولا كدلالةٍ على حصول الانفصال والحاجة لوجود الاتصال، فهما قبل ذلك وبعده واحدٌ لا ينفصل ولا يتعدد إلا كما تتعدد صور الجسد الواحد في غرفةٍ من زجاج أو كما تسري الروح الواحدة في أصابع اليد الواحدة تتحرك ظاهرًا بإرادةٍ حرة غير أنها في الأصل تسقى بماء واحد وتساق بريح وروحٍ واحدة تؤدي ذات الوظيفة باتزان وتستجيب لذات القدر بإذعان.

قال لي المحبوب لمَّا زرته: من ببابي؟ قلت: بالباب أنا، قال لي: أخطأت تعريف الــهوى، حينمــــا فرقت فيه بينـــنا.

أما القول المراد بالنصفية الذي تجده في أبجدية لغة القلب وعليه أصحاب الصنعة وأرباب معاجم المحبة والألفة والسابقون في الطريق وتابعوهم، فهو التمازج الذي يحيلهما خليطًا واحدًا متجانسًا يستحيل فصله بحرارة البعد والفقد ببرودة الجفاء، لا بعزلهما ولا بعذلهما، يتمدد كيانهما المتحد في كل حال محافظًا على أصالته وحالته وخريطته الجينية مهما تباعدت الأعضاء حتى إذا وقفت العراقيل في طريقهما ووفقت التصاريف إلى فصلهما ظاهرًا يكون قد شبه لها ذلك.

ففي كل انعكاسٍ وجودٌ للآخر يحمله فيه ويجري فيه مجرى الدم لا يسْمع فيتخيل ولا يرى فيرصد، ثم يكون قادرًا على إظهاره واستحضاره وتشكيله في كل مكانٍ يحل فيه، يراه في الأوجه ويسمعه في الأصوات ويصحبه في التخيلات، ورضي الله عن الشيرازي إذ يقول قال لي المحبوب لما زرته: من ببابي؟ قلت: بالباب أنا، قال لي: أخطأت تعريف الــهوى، حينمــــا فرقت فيه بينـــنا، ومضى عامٌ، فلما جـئتـه، أطرق الباب عليه موهـنا قال لي: من أنت؟ قلت انظر فما ثم إلا أنت بالــباب هنا، قال لي: أحسنت تعريف الهوى! وعرفت الحب، فادخل يا أنا.