مطلقة مع وقف التنفيذ

289

لطالما علمت أن أعداد ونسب الطلاق في تزايد مستمر، بالخصوص في الآونة الأخيرة، سواء على الصعيد الوطني أو العالمي، إلا أنني لم أحسبها يوما بهذا الكم الهائل؛ فحقيقتها لم تظهر جلية بالنسبة لي إلا بعدما اضطررت للمرور يوميا من أمام بوابة محكمة الأسرة، محكمة تُعقد بها شهريا مئات وآلاف الجلسات، وكل ذلك لمناقشة مجموعة من القضايا بغية الحسم في أمرها، قضايا وإن تعددت أنواعها وحيثياتها ظلت قضايا الطلاق متربعة على عرشها ومحتلة لقمة هرمها، آخذة بذلك نصيب الأسد من الفريسة.

هذا النصيب كان نصيب أسرة لم يُكتب لها الاستمرار أو البقاء، أسرة صغيرة اختارت بملء إرادتها أو مجبرة طي صفحة الماضي وبداية صفحة أخرى، تخط بها كلمات وأسطر حكاية جديدة، لم يكن بالصفحة الماضية متسع لها، أسرة قبل إصدار الحكم في حقها، احتمى كل طرف منها بأسرته الكبرى معتبرا إياها سنده و ملجأه، معتبرا إياها مخبأً يستر به معالم ضعفه، ويتفادى من خلاله نظرات الناس وأحكامهم.
وقتها فقط تجد كل واحد ممن استوطنوا المحكمة قد وجد لنفسه مكانا بإحدى جنبات القاعة، منتظرا دوره في سكون، آملا بتهربه وتفاديه أن يصبح خفيا، ناسيا لكل ما مر به ومنسيا، ناكرا للحقيقة ومتمنيا زوالها، كسراب مياه عذبة في صحراء قاحلة، إنها أماني حبيسة المخيلة لا يتحقق منها ولو شق بذرة. ها هم اليوم من احتموا تحت سقف واحد، وتقاسموا محطات من حياتهم بحلوها ومرها، يتفادون النظر إلى وجوه بعضهم، يصومون عن الكلام، وكأنهم بحديثهم ذاك سيفصحون عما يخالج صدورهم، سيسربون مع كل حرف سيلا هائلا من المشاعر الفياضة والمنتفضة التي لا تنضب أبدا، مشاعر لطالما أبى العقل عن البوح بها، وما كان الكبرياء لها بمِطْوَاع.

هذه الحرب الثلاثية بين كل من القلب والعقل والكبرياء، دائما ما كانت تفضي إلى نتيجة واحدة وهي الإذعان للعقل والخضوع للواقع، وسجن ثرثرة اللسان بين قضبان الأسنان، علها تكون الصواب الذي يحفظ ما تبقى من كرامة كل واحد منهم، كرامة قد تغدرها بين الحين والآخر بعض النظرات السريعة والخاطفة، التي تلخص كل مشاعر الغضب، والحزن، وعزة النفس والحيرة…، حيرة تتزايد وتتعاظم شيئا فشيئا، كلما استمعوا إلى وساوسهم الخاصة وفكروا فيما قد ينتظرهم من تحديات ومعيقات بعد انتهاء هذا اليوم برمته، فتجدهم وهم ينتظرون لحظة تحديد مصيرهم، كمن أُدخل بمتاهة لا يعلم بها طريقا للخلاص، كيف لا، ومصيرهم الآن محكوم فقط بقرار قضائي وإمضاء شخصي لا رجعة فيه، ليكون بذلك شاهدا على لحظة النهاية، لحظة يعاني خلالها كل من الطرفين على حد سواء، فاتخاذ هذا القرار بحد ذاته لم يكن يوما بالأمر الهين، كما أن تبعاته لم تكن قط بالسهلة، تبعات لها ثقلها على كل الأطراف المعنية بالموضوع كيفما كان نوعها، إلا أنني غالبا ما سأخص بالذكر الجانب النسوي، والذي من المؤكد أنه يعاني بدل المرة الواحدة أضعافا مضعفة، في ظل مجتمع ذكوري محض، مجتمع دائما ما يطلق مجموعة من الأحكام المسبقة، والتي لا تمت للواقع بصلة، مخلفا بذلك جروحا وندوبا قد تشفيها الأيام، لكن من المستحيل أن تنساها الذاكرة.
على العموم يا عزيزتي الأنثى، سأوجه الخطاب لك الآن، لعل كلامي يجد وسط زحام الحياة آذانا صاغية، لعله يرشدك إلى بعض الأمور التي وجب أن تأخذيها بعين الاعتبار ما دمت قد أقدمت على هذا القرار:
أولا: موضوع الطلاق يا عزيزتي لم يكن يوما عيبا، أو شيئا يُخجل منه، فالأقدار بيد الله ولو كان مقدرا لهذه الزيجة الاستمرار لدامت العمر بأكمله، كما أنه ليس بنهاية الحياة أو بنهاية المشوار، فكثيرات هن اللواتي انبثقن من وراء احتراق قلوبهم، جاعلات من ضعفهن سلالم للوصول إلى مقاصدهن وغايتهن، ولعل أسطورة “طائر العنقاء” أجمل تصوير وتجسيد لهذه الحقيقة.
ثانيا: الطلاق لا علاقة له بمستواك الدراسي ووعيك الثقافي، أو بطبقتك الاجتماعية، أو حتى بجمالك، لذلك فليكن في علمك أن هذا الموضوع لم يقتصر يوما على أحد ولم يسلم منه أحد؛ بحيث تجدينه في غالب الأحيان قد أخد من كل صنف مما سبق نصيبه وأكثر، فلا تلقي اللوم على نفسك، معتبرة إياها المذنبة والمخطئة، فتكوني بذلك الضحية والجلاد في آن واحد، ألا يكفي ما مررت به أو أنك ترغبين بأن تزيدي الطين بلة!! فرأفة بأنفسكن يا فتيات.

ثالثا: ستراودك مجموعة من الأفكار بين الحين والآخر، خاصة تلك التي تأتي قبيل ساعات النوم، لتربك تفكيرك وتبكي عينك وتدمي قلبك، وقتها فقط ستكون وسادتك المبللة وحدها حافظة أسرارك، محتوية لأضعف أفكارك، ونيسة لوحدة لياليك، وعارفة بتقلب مزاجك، تقلب سيجعلك تارة فتاة إيجابية لأبعد الحدود، وتارة أخرى ستملئين عالمك وعالم من حولك بأفكار عبثية تشاؤمية، تنزل عليكم كسهام مشتعلة وحارقة.
ومن المحتمل أيضا أن يغلب على مشاعرك طابع الحنين أو قد تستسلمين في لحظات ضعفك لشيطان نفسك ووسواسك، باحثة عما يعيشه الطرف الآخر من أحداث، منقبة بين ثنايا صوره ومنشوراته، محاولة استخلاص الخبايا والمقاصد، وما تنطوي تحته حقيقة الكلمات، محاولة التنقيب في خزائنها عن كل ما يتعلق بك، عن بقاياك وبصمتك. قد يبدو لك الأمر للوهلة الأولى ضربا من التناقض، لكنه من المرجح أن يكون عادة بشرية فطرية، نعتمدها كافة ولست فقط الاستثناء الوحيد، قد يكون الموضوع برمته راجعا لإرضاء فضولك، ومعرفة ما آلت إليه أوضاعه، طارحة لعدة علامات استفهام من أبرزها، هل كان من السهل بما كان -بالنسبة له- تخطي هذه المرحلة دون أي معاناة أو حزن، دون أي حروب داخلية أو ندوب دامية؟ ألم يشكل غيابي أي تغيير يذكر؟
رابعا: لا تتظاهري قط بالقوة، فحربك الداخلية ستبدو جلية للعامة، وستكونين بذلك أقرب للغرابة من الواقعية، فكل جرح يا عزيزتي إلا ويحتاج لعظمة الزمن كي يشفى ويلتئم، أم أنك تحسبين أن الأمر سيمر وينسى بين ليلة وضحاها؟ وفي نفس السياق أيضا، أحبذ أن لا تخفي جرحك العميق وراء غرور مصطنع أو عجرفة مفتعلة، تلاقين بهما كل من يدور في فلكك، مهشمة بذلك أرواحا لم يكن لها أي ذنب يذكر، فالناس تختلف كاختلاف أصابعك، وبالتالي ليس من حقك إطلاقا تعميم نتائج تجربتك الفاشلة على كافة معارفك.
خامسا: ستكونين لفترة مهمة حديث الساعة، وستثرثر ألسنة معارفك وأقاربك كثيرا في حضرة كل مجلس، محاولين معرفة القصة برمتها، محاولين التحقق من الرسائل المشفرة التي قد اقتنصتها مسامعهم من هنا وهناك، سترين ملامح الشفقة تعلو محياهم، وستسمعين كثيرا من كلمات الحزن والمواساة، أمثال: “مسكينة يا ابنتي لم تستحقي يوما ما حدث لك”، وأمور أخرى غيرها لا تعد ولا تحصى. لذلك سأختم كلامي ها هنا، لأكون من خلال ما سبق قد لخصت لك أشواطا من حياتك، ستعانين فيها بشكل كبير، وستكتشفين نفسك لأول مرة، سترين جانبا آخر من روحك لم تعرفيه من قبل، جانبا لن يظهر لك إلا في أوج ضعفك وألمك، وبالتحديد عندما تجدين نفسك قد وصلت إلى قعر البئر الذي ألقيت فيه، وحيدة ووهنة، وقتها فقط سيكون الاختيار بين يديك، إما الوقوف مرة أخرى ومحاولة الصعود والصمود، أو استيطان القعر وانتظار انتشال أحد المارة لك، انتشال لن يتحقق أبدا، فأنت الوحيدة القادرة على إعادة زمام الأمور وإخضاعها للسيطرة، أنت من بيدها مفاتيح حياتها، فبادري بالمضي قدما وانسي ما كان، فما دمت في أسوء الحالات لن تكوني سوى مطلقة مع وقف التنفيذ.