لا تحقرن من المعروف شيئا!

739

داومت كل صباح في طريقي إلى التداريب الاستشفائية أن أمر على بائع القهوة إبراهيم المتواجد في آخر الزقاق الذي أقطن به؛ حيث يشغل مكانا لا يتعدى المتر أو المترين على الرصيف بعربة صغيرة الحجم مجهزة ببعض الصناديق تجدها مملوءة بأكياس البسكويت والحلوى، وعلى جانبي العربة تجد على يمينها رزمة من علب السجائر معلقة، وعلى يسارها قنينة مملوءة بالماء الساخن مغلقة بإحكام مخصصة لصنع القهوة، رجل لا يتجاوز الخمسينيات من عمره ينحدر من بلاد الألماس كما يحلو له أن يسميها وهي (غينيا كوناكري). شاءت الأقدار أن يحط رحاله ببلد السلم والسلام أو بلغة أصح بلاد التيرانجا (السينغال)، باحثا عن لقمة العيش وتوفير ما تحتاجه أسرته الكبيرة والصغيرة لسيرورة الحياة.

دائما ما أجلس على كرسي مخصص للزبائن في انتظار أن تجهز قهوتي، وعادة ما يمازحني قائلا: أتعلم من هو إسماعيل؟ إنه نبي الله ابن إبراهيم ولهذا أعد لك قهوة جيدة لأنه واجبي عليك يا بني، فيطلق ضحكاته المعتادة تحس بها نابعة من الأعماق وفيها من البراءة ما غاب عن أعيننا في هذا الزمان، يملك من الطيبة وخفة الدم ما يجعله محبوبا في الزقاق الذي يعمل ويقطن به.
لاحظت مع مرور الأيام أنه كلما جلست لأشرب قهوتي وقبل أن يشرع في تجهيزها ينحني على ركبتيه ليخرج كيسا من تحت العربة، فيأخد حفنة من الكيس ليرمي بها على الأرض، ولا تكاد تمر إلا ثوان قليلة حتى ينزل سرب من الطيور فيشرعون في نقب ما جاد عليهم به بائع القهوة.

وبالتأكيد،دفعتني غريزة الفضول إلى سؤاله عن طبيعة الحفن التى يرمى بها كل صباح للطيور…!
فأجابني بابتسامته المعهودة التى لا تفارق محياه مهما عصفت به الظروف، تلك الحفن هي من الخبز اليابس الذي أجمعه كل ليلة عند فراغي من العمل، فأقوم بطحنه حتى يصبح فتاتا دقيق الحجم كي يسهل على الطيور بلعه دون أن يسبب لهم أي ضرر…واسترسل قائلا: أعرف أنك تستغرب للأمر ولست الأول بالطبع، خاصة أننا نعيش في زمن لا يهتم فيه الإنسان بمن هم من فصيلته فما بالك بفصيلة أخرى.
فسألته: ألا تمل من هذا الروتين بنفس الوتيرة كل يوم؟
أجابني: بالطبع لا أمل أبدا، هل تظن أحدا يمل من التقرب إلى الله كل يوم بحفنة خبز يابس؟
هذا يا إسماعيل بالنسبة لي، عمل أرجو به خطوات تقربني من خالقي وتكتب لي في صحيفتي، ألم تسمع بالحديث الذي يقول: «غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنْ الْمَاءِ؛ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ».
فقلت له: لكن، حتى عملك هذا عبادة ويقربك من الله إذا ما كانت النية خالصة وعملت بإتقان.
فقال: أعلم ذلك ولا أنكر أن عملي كبائع القهوة شاق ولا أخفيك سر أني كثيرا ما تذمرت وأطلقت تنهيدات مللي من ضغوطاته، لكن سرعان ما أتذكر عائلتي وأن عملي هذا هو مصدر الرزق الوحيد، أعود إلى رشدي فأراضي نفسي بحمد الله وشكره على كل حال، وأسعى جاهدا لإتقان ما أقوم به، وأتذكر أن هناك من لم يجد ولو عجلة من عجلات عربتي ليبدأ مشروعه ويضمن قوت يومه.

فختم كلامه قائلا: تعلمت يا بني أن أفعل الخير مهما بدى صغيرا وتحت أي ظرف كان؛ فالحياة قصيرة والفرص عبارة عن قطار لا يمهل أحدا الوقت، فإذا فاتك ضاعت منك الفرصة، لهذا لا أتردد في فعل الخير ولو بأبسط ما أملك، فأنا لا أعلم أي حسنة قد تدخلني الجنة إن شاء الله.