كلُّنا بخير، لولا الآخرون!

2٬544

“كلُّنا بخير، لولا الآخرون”، يقال: إن هذه العبارة وُجدت منقوشة في حائط إحدى الغرف، في مصحة نفسية، نقشها مريض قبل انتحاره. وهي، في اعتقادي، عبارة دالَّة ومعبرة جدا؛ بحيث تصلح أن تكون حلا لبعض الألغاز والمفارقات التي ينطوي عليها الوجود الإنساني.
إن وجود الغير في حياتنا، قبل أن يكون حاجة وضرورة، هو أمر واقع، والواقع واقع؛ فلا يرتفع. لذا يغدو تنظيم العلاقة مع الغير أمرا في غاية الأهمية؛ لأن الكثير من نجاحاتنا تتوقف على كيفية تنظيم علاقتنا بالآخرين في حياتنا، كائنا من كان هذا الآخر، أسرة، أو زملاء، أو جيرانا أو غير ذلك. ومن شأن أي فشل في هذا الجانب أن يؤثر بشكل سلبي على مجرى حياتنا بشكل عام.

وسأركز في هذا المقال على نقطتين اثنتين بهذا الخصوص، أَحسب أن من شأن الوعي بهما أن يُسهم في تحسين علاقتنا بالآخرين، وفي تقليل الآثار النفسية السلبية للفشل في تدبير هذا البعد العلائقي في حياتنا. وهاتان النقطتان هما على التوالي:
1/ الابتعاد عن مقارنة النفس بالآخرين؛
2/ وتقليل التوقعات من الآخرين.

ولنبدأ بالنقطة الأولى، والتي يمكن تلخيصها في الجملة التالية:
لا تقع في فخ المقارنات العقيمة. ومقارنتُك نفسَك بالآخرين لا يمكن أن تكون إلا مقارنة عقيمة؛ لأن الناس يتفاوتون في جيناتهم وفي تركيبتهم الجسدية والنفسية، وفي قدراتهم الذهنية، وفي تنشئهم الاجتماعية، وهذه كلها أمور تجعل هذه المقارنة لا تستقيم. والإنسان الواعي المدرك يَحسُن به أن يتنزه عن الوقوع في هذا الفخ؛ لأنه ذات مستقلة، يعيش تجربة مستقلة، وينبغي أن يكون تركيزه على نفسه، على: ماذا حقق؟ وماذا لم يحقق؟ ما نجح فيه وما لم ينجح، أن يقارن بين ما يَطمح إلى تحقيقه وما حققه بالفعل.. فهذا النوع من المقارنات هو الذي يَخدم تطوير وتنمية شخصياتنا؛ أما المقارنة مع الآخرين فلا يفتح علينا إلا أبواب الفشل والإحباط واحتقار الذات.

إن فخ المقارنات اليوم أصبح أكثر سهولة لأن يقع فيه المرء، بفضل وسائل التواصل الاجتماعي؛ فإن الشخص قد يعيش في محيط مغلق، وبين أشخاص من مستوى ثقافي ومهني واجتماعي بسيط، فـيَظن في نفسه النبوغ والعبقرية والنجاح، فإذا به يكتشف أشخاصا أفضل منه، أشخاصا يتجاوزونه بدرجات سحيقة، فيقع له نوعٌ من الدهشة، والتي تتحول في كثير من الأحيان إلى صدمة، لعل من نتائجها هذا الذي سميناه بفخ المقارنات العقيمة. ومن ثم يبدأ يتساءل بإحباط: كم سأحتاج من الوقت لأصبح مثل فلان وفلان وفلان؟ وهذه المقارنة، من أصلها، خاطئة؛ لأن الإنسان لا ينبغي أن يعمل ويكد كي يصبح مثل الآخرين.

أتذكر أنني في 2014، كنتُ ألتقي ببعض أصدقائي، وغالبا ما تكون معي بعض الكتب، تعود لبعض الكتاب الذين كانوا حققوا نجاحا إعلاميا كبيرا، حتى أصبحوا موضة ثقافية في وقت من الأوقات. وفي بعض الأحيان يدخل هؤلاء الأصدقاء في نقاش بعض الكتب، والحديث عن مزايا كتب معينة، وأحيانا يناقشون باللغة الإنجليزية، وأنا بينهم أسمع وأرى، من غير مشاركتهم في هذا النقاش؛ لعدم الاطلاع على تلك الكتب، ولعدم إلمامي باللغة الإنجليزية بالشكل الذي يسمح لي بالانخراط في مناقشة مواضيع متخصصة.
أجد من الأمانة أن أعترف بأن تلك اللقاءات كانت صدمة معرفية بالنسبة لي، فشرَعت أدرُس اللغة الإنجليزية من جديد، لأحسن مستواي فيها ليسمح لي بقراءة الكتب بها. وبدأت، وكانت البداية صعبة كعادة كل البدايات، لأنك تحتاج إلى العودة، في كل حين، إلى القاموس، لشرح بعض الكلمات. ولا يخفى أن هذه عملية صعبة، خاصة إذا كان القاموس ورقيا. لكن عملية التعلم اليوم، مع الحواسب والهواتف الذكية، أصبحت أيسر وأسهل. وتعلم اللغات أصبح في إمكان الجميع، إلا مَن أبى.
عزيزي القارئ، ما كانت هذه التجربة لتكون مفيدة لي، لو قلت في نفسي حينها: كم سأحتاج من الوقت لأتقن اللغة الإنجليزية؟ ولأقرأ كل ما فاتني من الكتب؟ أو لو بدأت أقارنني بأصدقائي الآخرين، لكني اليوم أستطيع أن أقارن بيني أنا في ذلك الوقت وما أصبحتُ عليه اليوم، وتكون هذه المقارنة محفزة لي؛ لأني أرى تغييرا ونتيجة تحققت، لكن ما أن تخرج المقارنة إلى الآخرين حتى تنقلب إلى العكس: مصدر إحباط وإفشال.

فهذا ملخص القول في النقطة الأولى، فأما النقطة الثانية فيمكن تركيزها في الجملة التالية:
“افعل ما عليك، ولا تتوقع شيئا من الآخرين”. وأنا ضامن لك، عزيزي القارئ، لو طبقت هذه القاعدة، أن تتجنب الكثير من الإحباط في حياتك؛ فالكثير من الإحباط ينتج من توقعاتنا من الآخرين: من انتظارنا لتقديرهم لما نقوم به، لأن يقدموا لنا يد العون والمساعدة، لأن ينخرطوا فيما انخرطنا فيه، لأن يُسَرُّوا بنجاحاتنا، لأن يحزنوا لإخفاقاتنا، فحين لا يفعلون كل هذا نشعر بالإحباط، ونبدأ نشك في جدوى ما نقوم به، وهذا كله لا ينبغي. أنت عليك أن تتأكد أن الناس لا يظلمونك حقَّك، ولا يتجاوزون حدودهم معك، غير ذلك لا تطمع فيه، وتأكدْ أنك تفعلُ ما عليك فعلُه.
هناك شيء مؤكد لا يجدر بي أن أغفل عن ذكره هنا، وهو أن لا أحدَ سوف يَحملُ عنك همومكَ، حتى هؤلاء الذين تُعول عليهم، ويقدمون لك ما يستطيعون إلى الآن، سيأتي يوم وسيتوقفون. الحياة لا تسير بهذه الطريقة عزيزي، لن يحقق لك أحدٌ أحلامَك، ولن يضحي أحد بحياته من أجل أن يصبح الراعي الرسمي لأحلامك، ويجعل من هدفه في الحياة أن يجعلك تنجح وتحقق ما تريد. آسف أن أخبرك بهذا…فإن كنتَ تظنُّ ذلك فتلك أضغاث أحلام.

الخبر السارُّ هنا عزيزي أنك حين تفعل ما عليك فعله، وتنجح بفضل جهودك، ستشعر بسعادة أكبر، وسيكون رضاك على نفسك بدوره أكبر، ومجرد الوعي بهذا خطوة مهمة في الطريق. ولذلك احرص على تنمية ذاتك والاستثمار فيها، واختر لنفسك صحبة صالحة، تجرُّك إلى معالي الأمور، ولا تنزل بك إلى سفاسفها؛ فلا يزال المرء بخليله. وقد قيل: “قل لي: من تصاحب؟ أقلْ لك: من أنت”. وهذا كما ينطبق على الصداقات الحقيقية ينطبق على الصداقات الافتراضية والمتابعات على مواقع التواصل الاجتماعي، فيجب أن يكون المحتوى الذي نحتك به يوميا محتوى راقيا، يُسهم في تنمية ذائقتنا الجمالية، وإثراء معارفنا، وإغناء شخصياتنا.
والله الموفق.