أم معتصم…شوق بعدد أيام الأسر

127

أن تولدَ فلسطينياً يعني، أن تحترفَ آلام الفقد..أن تتحسر على الوطن.. أن يصير الحزن والاشتياق سيد يومك وبعدها تقرر أن تتبعَ كلُّ ما يرشِدُكَ إلى الأرض، أن تقاوم، وأن تبحثَ عمّا يبقيكَ بين يدي الوطن وتحت جناحيه، حكايات أبيكَ وجدّك، صورةٌ معلّقةٌ في غرفتك، “كوشان” أرضٍ يثبت ملكيّتك، شيء من زيتِ الضفة، بضعٌ من خيراتِ بلادك.. ثم وأنتَ تتبع الأشياء ستجدُ ما يضعكَ بينَ أفياء الوطن، ما يجلسكَ على أرضه، ما يقول لك إنك ابن هاته الأرض صاحب الحق وسيد القرار من هنا ولدت المقاومة وبدأ مسلسل السجن والأسر.


وأنا أشاهد برنامج “شاهد على العصر” الذي يعرض على قناة الجزيرة للدكتور أحمد منصور وهو يستمع لشهادة عبد الكريم حنيني، أحد مؤسسي كتائب الشهيد عز الدين القسام الذراع العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس وأحد الأسرى المحررين في إحدى الصفقات، وهو يروي شهادته عن السجن ومأساة آلاف الأسرى القابعين في سجون الإحتلال الإسرائيلي وما يعانونه من شتى أنواع التعذيب -فلطالما شهدنا الاحتلال وهو يتفنن في تعذيب الأسرى- تبادر إلى ذهني أمهات أولئك الأسرى وحالهن والمعاناة التي يعانونها من أجل رؤية فلذات أكبادهن؛ فقررت أن أكتب سلسة مقالات كل منها تتناول قصة أم من أمهات أولئك الأبطال.

ليس لشخص من قدري على قلة علمي وجهلي أن يقرر من منهن تستحق أن أروي عنها، فلا يكاد يخلو بيت فلسطيني من الأسى؛ فمنهم من استشهد ابن لهم ومنهم من أسر ومنهم من أصيب، فماذا لو اجتمع كل ذلك في بيت واحد! في كل بيت فلسطيني توجد قصة لأسير أو شهيد أو مطارد، في كل بيت توجد دموع وألم، في كل بيت توجد حكاوى لم تجد أحدا يسمعها وفي كل بيت توجد أم فلسطينية تعدل أمة من الرجال بشجاعتها وصبرها. لكني وأنا أشاهد فيديوهات لقصص أولئك الأمهات رأيت في الحاجة أم معتصم -امرأة ثمانينية العمر- صبرا لم أر مثله، فقد اخترقها الحزن من كل اتجاه، وبدى جليّاً على محياها وعلى صوتها، فلقد تم اعتقال ابنها معتصم منذ أكثر من اثنتي عشرة سنة تعددت عليها الفصول وتوالت عليها السنوات ولا تزال محافظة على صبرها والابتسامة لا تفارق وجهها وهي تقول: “حزني واشتياقي لابني لم يتوقف للحظة منذ اعتقاله، فهو قطعة من روحي وحياتي كلها، في كل يوم أنتظر خروجه واحتضانه بفارغ الصبر رغم حكمه بالسجن لعشرين سنة.”


هو الابن الأوسط بين إخوته تربع على قلب أمه ونال محبتها، كان المرافق الأول لوالدته منذ نعومة أظافره ترعرع في أكناف قرية صيدا في طولكرم. الأسير معتصم طالب داود رداد 37 سنة، في العقد الثالث من العمر تعرض للاعتقال أول مرة في عام 2002 وأفرج عنه بعد عشرين شهرا، تعتبره إسرائيل ضمن لائحة المطلوبين لديها، لتعيد اعتقاله عام 2006، حكم عليه بعشرين سنة بتهمة الانتماء إلى سرايا القدس! وهو الآن يعاني من مرض سرطان الأمعاء ويواجه إهمالا طبيا ممنهجا من قبل قوات الاحتلال الصهيوني؛ يعتبر من أخطر الحالات المرضية في سجون الاحتلال؛ حيث بدأت علامات المرض تظهر عليه بعد اعتقاله بعامين عندما شعر بآلام شديدة في البطن ليتطور الأمر شيئًا فشيئا بالإهمال الواضح والمتعمد من قبل إدارة السجن، وهو يعاني حاليًا من التهابات مزمنة وحادة في الأمعاء يصاحبه نزيف دائم وآلام مستمرة، ونسبة الدم منخفضة وغير منتظمة نتيجة النزيف الدائم، وجهاز المناعة عنده ضعيف جداً لذلك تظهر في جسمه فيروسات جلدية تتم معالجتها بالأوكسجين، ومن ضغط مرتفع، ومن آلام شديدة في أنحاء الجسم.

إن صوتُ المطرِ والثلج يذكرنا أنّنا في كانون الثاني؛ حيث يهطلان بغزارةٍ كملهوفٍ يطرقُ بابكَ على عجلٍ يُريدُ أن يُخبِرَكَ أمراً. يهطلُ بغزارةٍ تريدُ أن تُرِيَنا البرد على حقيقته؛ كيفَ يدخلُ بين العظام التي سكنها التعب والألم وأهلكها المرض والوجع؛ كيفَ يعاني الأسرى في السجون حيث لا دفء الشمس ولا دفء الأحبة. يهطلُ الثلج بغزارته ليقول لنا: هذا ثلج كانون الثاني؛ فكيفَ بِبَردِ شباط وآذار وثلجِهما؟
12 يناير-كانون الثاني هي ذكرى اعتقال معتصم؛ من كل سنة كعادتها منذ أكثر من اثني عشر عاماً، أم معتصم بثوبها المطرز وكوفية ابنها على عنقها.. ترفع صورة فلذة كبدها الذي خطفه جور الاحتلال وبطش السجان، شامخةً فخورةً به كأول يوم من اعتقاله فقد مرَّ عليها الكثير من الفقد ولم يمر في قلبها اليأس، ومرّ عليها الكثير على الفراق ولم يفارق ذهنها صور وكلام وذكريات ابنها، أتساءل أنا: ما الذي اقترفه معتصم كي يتذوق كل عذاب الفقد والفراق؟

من بلادِ البرتقال، من بلادٍ تعبق بالجمالِ من قرية صيدا بمدينة طولكرم ينحدر الأسير معتصم، خرج أياماً معدودات ليدافع عن أرضه باتت شهوراً فسنينَ فحياة كلها.. شهد فيها كل التعذيب والفقد.. عاش صوت القصفِ ورائحةَ الموت كغيره من شباب فلسطين دفعته ليصير مقاوما مدافعا عن أرضه ووطنه فصار بعدها مطاردا لسنة أو سنتين ثم أسيرا لأكثر من عشر سنوات.
أتخيل معتصم شابا صغيرا يافعا حلمه الوحيد أن يكمل دراسته ويبني مستقبله كأي شاب طبيعي وهو يحكي عن بلده فيقول: “أنا من قرية صيدا، صيدا حلوة كتير… اللّي شاف صيدا وحلاوة صيدا ما بيزهق من عيشته وبتضل روحه حلوة”؛ معتصم الآن أسير سجين لسنين، فتك المرض بكل أعضاء جسده؛ تغيرت بنيته الرياضية؛ معتصم الآن يعاني من أخطر أنواع المرض؛ من السرطان؛ معتصم الآن قابع في سجون احتلال وحشي بمرض خطير..!

يقول معتصم: “لا أريد الموت مكبلاً على سريري ولكن أريد الموت عزيزاً بين إخواني”.
ويقول عمرو رداد وهو الأخ الأصغر لمعتصم: “أنا لا أتذكر من أخي معتصم إلا الاعتقال..! وأنا كشقيق الأسير أتمنى أن يفرج عنه في أقرب وقت لأعيش حياتي معه.. حياة الأخوة”.
يا وجعَ أوطاننا المشتركة! أتتسع هذه الحياة لجرحين ونزيفين؟ لا شيء يصفُ سوء الوضع هناك في السجون؛ إهمال طبي؛ ومكان موحش؛ زبرد قارس؛ وعشوائية المكان؛ ومناظر التعذيب…جنود مخيفة بزي عسكري ومسدسات وعصي.. حياة تحمل في طياتها موتا بطيئا.

أسمِعوا المُطَبِّعين حكايا الأسرى وأمهاتهم وذويهم وحكايا كثيرين غيرهم تشتتوا في بلاد كثيرة، أخبروهم أن هذه الجراح لم ولن تُنس، أخبروهم ألّا يقرؤوا أرقام الشهداء التي تطالعهم بها شاشات الأخبار ويكتفوا؛ فأولئك بإذن الله عنده من الأحياء؛ فالموت ليسَ أقصى ما في الحرب من قسوة؛ فالأسر قهرٌ لربما لم ولن يستطيع أحد وصفه.
خلفَ الأسر غائبون عن الحياة منذ أعوام طويلة؛ خلفَ الأسر اغتيالٌ للإنسانيةِ.. خلف الأسر أمهات تنمن بدمعِ العين قلقاً على أولادهن، خلف الأسر أطفال صاروا بين ليلة وضحاها أيتاما لم يعرفوا من العالَم حناناً، خلف الأسر زوجات يفترشن الاشتياق؛ خلف الأسر مفقودون لا يُعرَف أهم في عِداد الموتى أم هناك أمل في اللقاء.. خلف الأسر حكايا كثيرة ترويها زوايا السجون المنكوبة، وبيوت الفلسطينيين.. وخلف الاحتلال وحشية تغتال العبادَ قبل البلاد، وتقتلُ الأحياء قبلَ الأموات.
فلتُحفَظ صور الأسرى في أذهانكم وقلوبكم، ولتبق قصصهم محلَّ ذاكرتكم لا نسيانكم؛ اقرؤوا عنهم، تتبعوا أخبارهم، لا تنسوهم من دعائكم، استحضروهم كلما جاءَ مَن يردّدُ عليكم مبرراً لوجود العدو بيننا، وسبباً مشرّعاً للتطبيع معهم، وفكراً مؤيداً للظلمِ وأهله، استحضروا معاناتهم أمام كل من جاء يندد بالسلام والتعايش مع احتلال غاصب.