إلى أمي النائمة طويلاً

1٬188

مرت عشر سنوات منذ أن رحلت عن هذه الدنيا، كلما تذكرت هذا التاريخ، تعود بي الذاكرة إلى تلك الأوقات العصيبة التي مررنا بها إبان رحيلك عنا، ذلك اليوم الذي لم نكن نحسب له حسابا، لطالما كنت أُبعِد فكرة رحيلك عنا ضمن حساباتي.
فكل الأمور التي كانت تشغل تفكيري آنذاك وأنت بيننا، هو أنني عندما أكبر وأشتغل وأستقر ماديا سأحقق لك كل أمنياتك، ولطالما كنت تشعرين بالفخر والفرح عندما كنت أخاطبك قائلا: عندما أكبر يا أمي وأشغل منصبا مهما أول شيء سأقوم به هو أن أرسلك أنت وأبي إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك الحج، وسأشتري لك سيارة فاخرة تليق بأروع أم في العالم، وكل شيء تحبينه وتشتهيه سيحضر بإذن الله فقط هي مسألة وقت لا غير.

لكن لم أكن أعلم أن قطار الوقت والأجل سيقف في المحطة مبكرا يا أمي.

ولعل ما ميز هذا الخطاب آنذاك، أنه كان مصدرا لابتسامة أمي البريئة، وفي نفس الوقت كان خطابا يشعل فتيل الحماس بداخلي والرغبة في الاجتهاد والعمل دون توقف لأحقق كل تلك الأهداف.
لو تعلمين يا أمي أنه بعد رحيلك انقلبت الحياة رأسا على عقب، لم نعد كما كنا أطفالا مدللين مهما كانت تواجهنا من مشاكل وعقبات، ومهما كانت تعصف بنا المواقف كنا نعود جريا إلى المنزل لنرتمي في حضنك الدافئ، كانت نظراتك الحانية وطبطباتك المليئة بالعطف والحنان تكفينا لننسى قسوة الحياة بتفاصيلها، ثم ننهض بابتسامة رضى وطاقة تمنحنا العزم لمواجهة ظلم الحياة من جديد.

ولا أنكر يا أمي أنه حتى الآن لم يتغير شيء من هذا القانون؛ عدى حضنك الدافئ الذي لم يعد بإمكاننا أن نرتمي فيه، لكن بالمقابل كلماتك وتوصياتك مازالت رنينا بأذني كلما وقعت تحت قبضة الحياة وضغوطاتها، منحتني بعض الحكمة والكثير من الصبر على التحمل؛ فأجدني أواجهها بصمود لطالما استمددته منك؛ وأتذكر جيدا عباراتك تلك المشجعة دائما فأتسلح بها للمضي قدما خاصة بعد أن رمت بي الأقدار في بلاد الغربة لم تكن يوما هي الأخرى في حساباتي، لكن هكذا هي الحياة يا أمي والأقدار مكتوبة لا مفر منها.
وأطمئنك يا أمي أن ابنك مازال يكافح ويسعى جاهدا لتحقيق كل أهدافه وطموحاته، مع مرارة الغربة وسنواتها الطوال التى كلما ظننت أنها أوشكت على الانقضاء أراها تتمدد، لكن حلم ابنك يبقى أكبر من أن تنال منه سنوات الغربة.
غربة زادت من نضج تفكيري ووعيي بصعاب هذه الحياة ومسؤوليتها؛ آه لو تدرين يا أمي كم مررت بمواقف عديدة منها المحزنة ومنها المفرحة؛ وكلما اشتدت الظروف وشعرت بالاختناق كنت أستعين بالله وأرفع يدي داعيا بفرج قريب.

لقد صادفت في غربتي أصناف البشر بمختلف أعمارهم وعرقهم وتوجهاتهم، وتعلمت منهم دروس كثيرة، ربما حدثت تغيرات جمة في شخصيتي ونظرتي للحياة وكيفية التعامل مع واجباتي وأهدافي، لكن لم يتغير عمق تربيتك بداخلي يا أمي؛ فابنك مازال يمد يد العون لكل من يدق بابه دون تردد ولو بأضعف الإمكانيات، ومازلت أترفع عن دائرة الحقد والضغينة ولو أن مواقف الحياة كشفت لي عن طينة الكثير ممن كنت أثق فيهم وأحسبهم من أقرب المقربين، إلا أن ما وراء اللطف وتلك الضحكات الصفراء كانوا يخفون سهاما مغموسة في سم النفاق،
ولكن وفي وسط كل هذه العتمة والشر المجاني، تذكرتك حين كنت تقولين لي، يا بني، الحياة مواقف والبشر أصناف، والوقت هو من يكشف معدن البشر، فلا تنتظر شيئا من أحد لكن، افعل ما بوسعك لمساعدة كل من يقف ببابك طالبا العون، ولا تكترث للمقابل ولا تنتظر رد الجميل، دع نيتك تكون خالصة لوجه الله حتى لا تصدم مع مرور الأيام من ردود أفعال من أحسنت إليهم.

كل المبادئ التى زرعتها في أعماقي أعطت ثمارها يا أمي؛ لا أعلم من هو صاحب هذه المقولة “بعيد عن العين قريب من القلب” إلا أنها صحيحة بدون شك وتعبر عن حالي، أعلم جيدا أنها عشر سنوات مرت وأنت بعيدة عن أعيننا، التاريخ يؤكد ذلك لكن ما لا يفقه فيه التاريخ أنك في القلب حية ترزقين، فكيف لي أن أعتبره بعدا وفراقا وملامحك وصوتك وكلامك المحفور في الذاكرة وحتى ضحكاتك تسبق كل نبض من نبضات قلبي، كيف يعقل وأنت النبض بعينه.
لا أخفيك يا أمي أن حجم اشتياقي لك كحجم الكون بما حمل، وتحاصرني أوقات أكون فيها في أمس الحاجة إلى رؤيتك ومحادثتك وحضنك حتى أنسى ما أمر به…لكن أعلم وربي أعلم أننا سنلتقي يوما ما في مكان أفضل من هذا العالم يا أمي، وإلى ذلك الحين لك مني دعوات الرحمة والمغفرة التي لا تنقطع.