وعد الحر دين عليه..

339

كبرت وأنا أسمع أن للوعد قدسية عظيمة، طيلة طفولتي وما عشته من شبابي، شهدت بيوعاً، وزيجات، ومشاريع، تَمَّت بـ”الكلمة”، يلتقي الرجل بنظيره في السوق فيتفقان على فعل كذا وكذا مقابل كذا وكذا، يقرآن الفاتحة، ويُصافحان بعضهما البعض، وهكذا تتم العملية، ولا أحد منهما يتراجع عن اتفاقه الذي قد لا يشهد إبرامه سوى الله.

عايشت أسراً، تزوج الجد والجدة فيهما بالفاتحة فقط، وظلت علاقتهما قائمة على الاحترام والحب المتبادلين، ولم يتجرأ أحدهما على نقض العهد ولا حتى جزء منه، لا لشيء، فقط تقديسا لمبدأ اسمه “الكلمة”، فقد أعطى الرجل الكلمة لولي زوجته، وشهدت على ذلك القبيلة والأسرتان معاً.

التقيت رجلاً مُسناً كان يبيع الغنم في السوق قُبيل عيد الأضحى، فجاءه رجل سأل عن كبش، ثم اتفقا على الثمن وعلى إتمام البيع. إلا أن الزبون طلب منه ترك الكبش لديه إلى أن يُنهي اقتناء بعض الأشياء، وتبادلا “الكلمة”، ثم انصرف الرجل دون أن يدفع أي فلس للبائع. بعد دقائق قليلة، حل زبون آخر، واقترح ثمناً أغلى مما تم الاتفاق عليه مع الزبون الأول، لكن الرجل البدوي رفض ذلك، بدعوى أن الكبش قد بيع وانتهى الأمر. القصة لم تنته عند هذه النقطة، بل الأكثر من ذلك فالرجل الذي اشترى الكبش بـ”الكلمة” تأخر كثيراً في العودة من أجل إتمام عملية الشراء وأخذ الكبش، ومع ذلك ظل البدوي منتظراً رافضاً جميع العروض بدعوى أنه قد أعطى “الكلمة” للرجل..

في أيامنا هاته، صار العكس هو الأصل، تزور متجراً، تتفقد السلع وتخبره أنك سترجع لاقتناء السلعة الفلانية، ولكن للأسف الأمر ليس سوى تحايلاً على البائع للانصراف من متجره.
أصبح لدينا مبدأ راسخ “ما تقول لا، ما تخصر لخواطر”، أي يجب أن تُساير الشخص الآخر، و”تتمسكن إلى أن تتمكن”، فللأسف، نجد المهني الذي يوهمك أنه سينجز عملا أسطورياً، لكن بمجرد بداية الاشتغال يبدأ التماطل والتلكؤ، وللأسف لا يُتم عمله.
أيضاً الزوجة أو الزوج الذي يظهر كالملاك في بداية العلاقة، لكن بمجرد التأكد من “دق الأوتاد”، وتوفره على شيء من خلاله يُمكنه من يد الطرف الآخر، يتنكر لجميع الوعود والاتفاقات السابقة، ويبدأ بالمساومة، وللأسف كثيرون من يقومون باستغلال الأطفال للضغط على الطرف الثاني، وللأسف هؤلاء من أخبث خلق الله.

نعلم جميعاً أنه لا يُكلف الله نفساً إلا وُسعها، لكن ما أستغربه وبشدة، هو لماذا يوافق الناس على أشياء لا يرغبون فيها؟ لماذا يُنافقون أنفسهم ومن يثقون بهم؟ لماذا نقول نعم ونحن بإمكاننا قول كلمة لا؟
يُمكن للواحد منا أن يُقدم وعداً، أو يتفق على شيء، ثم يتبين له أنه غير قادر على القيام به، أو الالتزام به فيما بعد، لكن الإشكال هو ذلك الشخص الذي يعلم جيداً أنه لا يُمكنه بتاتاً الوفاء بما يقول، وعلى الرغم من تنبيهه يُصر على أنه سيفي بذلك الوعد، لكنه للأسف عند الوقت الذي يجب فيه تنفيذ وعده، يُنكر أصلاً أنه في يوم من الأيام قد اتفق على شيء..
وعد الأحرار دين عليهم، أما العبيد والرعاع، فلا وعد لهم ولا وفاء..