الصمت. . .لغة الحكماء

321

كلنا نعرف أن الكلام وسيلة التواصل من الدرجة الأولى بين بني البشر على مر الأزمنة، وفي جميع الظروف والحاﻻت والأوقات، فنحن نتكلم حينما نود أن نطلب شيئا، حينما نغضب أو نفرح، حينما نود أن نعبر عن إحساس ما، حين إلقاء تحية الصباح…نحن نتكلم كل يوم، دون كلل أو تعب، وهو شيء عادي يعتبر قاعدة عند الجميع، وﻻ يشكل موضوع تساؤﻻت أو افتراضات.. فأن يتكلم الإنسان دائما، هو الأصل، وغير ذلك هو العلة.

بينما الصمت، ﻻ يتقبله الجميع، بل ويعتبر شيئا غريبا غير مألوف عند أغلب أفراد المجتمع، وربما جعلوا منه مرضا وجب التشخيص عليه، متناسين بذلك أن الصمت، لطالما كان من سمة واختيار العقلاء، ولغة الحكماء.

الصمت والهدوء، ليسا دائما خارجين عن الطبيعة الإنسانية التي تجعل الإنسان مخلوقا اجتماعيا بطبعه، فهو لغة معقدة ينبغي تفكيك رموزها، فهناك من يصمت كتعبير لغضبه وسخطه، وهناك من يصمت كرمز للموافقة على طلب ما، أو استنكارا لشيء ما، كما هناك من يفضل أن يصمت ويتجاهل على أن يدخل في مشادات كلامية هو في غنى عنها.

المفكرون يصمتون حينما ينجزون أبحاثهم، والأذكياء يصمتون حينما يحلون معادلة رياضية ما، والكتاب يصمتون حين يطلقون العنان لأقلامهم، والقراء يلتزمون الصمت حين يبحرون بين أمواج كتاب أو قصة ما، وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على أن الصمت ليس علة، بل سلوك يتقيد به الناس في أسمى وأرقى الظروف والوضعيات.
فالإنسان الصامت الهادئ، الذي ﻻ يتكلم كثيرا، هو إنسان مليء بالتساؤﻻت، تدور في عقله اﻵﻻف من الأفكار، إنسان بداخله بحر هائج يعبر عنه بصمت، إنسان يحلل كل ما يدور حوله، ويتساءل عن كل ما يزعج عقله، ويحاول أن يجد الجواب ويخرج بخلاصات لكل ما يعترض طريقه في الحياة، إنسان تعيش داخله عاصفة لا يمكن للكلمات أن تخمد نارها.
و لذلك، تجد أن كبار العلماء والباحثين والمخترعين، وأشهر الأدباء والفلاسفة، يتميزون بحبهم وميلهم للوحدة والانعزال، واتخاذهم من الصمت لغة ومنهجا.. فلا وقت لديهم لإهدار طاقتهم في االكلام الفارغ ويفضلون توظيفها في التأمل والتدبر بعيدا عن الثرثرة والضوضاء.

إن كثرة الكلام غالبا ما تجر وراءها ندما ومشاكل لا نهاية لها؛ إذ قد تفشى أسرار، وقد تفرق عائلات، أو تخرب صداقات بسبب كلمات نطقنا بها دون أن نزن خطورتها، بينما كان من الممكن تفادي الوقوع في مثل هذه المواقف بالتزام الصمت فقط. وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “من كان يومن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت”
لكن أحيانا، وفي بعض الحاﻻت، يمكن أن يكون الصمت جبنا وغباء، خصوصا حينما يتعلق الأمر بالدفاع عن حق مشروع أو التعبير عن الشكر والامتنان والإفصاح عن مشاعر الاهتمام والحب، أو مناقشة وإبداء الرأي في مواضيع مهمة، وغير ذلك من الحاﻻت التي يجب على الإنسان فيها أن يتخلى شيئا ما عن صمته كي يتقدم في الحياة.

الإنسان الصامت إذن، كان وسيبقى دائما موضع تساؤل، وعلامة استفهام تحير الكثير؛ لأن أغلب الناس ﻻ يستوعبون أن هناك من ﻻ يجد راحته في كثرة الكلام، من يصرخ وهو صامت، وأن الصمت دليل حكمة ونضج وذكاء.. وليس علة أو مرضا أو ضعفا.
كما قال جون غرين: “لطالما أحببت من يلتزمون الصمت، فلا يمكنك أبدا أن تعرف ما إذا كانوا يرقصون في أحلام اليقظة، أم أنهم يحملون العالم فوق أكتافهم.”