عش لأجلك

502

الدنيا متاهة بمجموعة من الممرات، منها ما سهل سلكه، ومنها ما لا أوعر من عبوره. هي صخرة على أكتافنا سنحملها إلى اليوم الموعود، وهي ما سيحدد حياتنا الأخرى. هي كالسماء؛ تارة تراها صافية وتارة يعتريها الغيم ولكن لا تنبت الأرض حتى تتعكر السماء بالغيم ويسقط المطر، فإذا تعكر اليوم وأصابك به الحزن رغم أنفك فاعلم أن المطر آت لا محالة، فالدنيا ليست للخلود،  والنقص فيها مكتوب، وكل يدعي الكمال ولو كمل البشر لما ماتوا.

هذه الدنيا التي كثيرا ما تغرينا بما فيها من نزوات وتبكينا بكاء لما فيها من عقبات، إنها العدو الأعظم، ترمينا بالأوجاع والأسقام والآفات وفقدان الأحبة والأحزان، وبين هذه وتلك نجد أنفسنا محبطين لما حدث بيننا وبين آخر، لا يفرق حالنا عن حاله، كلنا مختارون للاختبار على بسيطتها المختارة أيضا دون نظيراتها.

تحزن لكون فلان لم يعاملك جيدا، وأنت تنهارين بسبب اتصال حبيب لم يصلك، وهو يقرر الانتحار لأن الدولة لم تمنحه وظيفة، ولأن المجتمع أفقده بهجة العيش بنظرته وكلماته الناعتة إياه قبحا. فهل هذه الأسباب تستحق كل هذه المبالاة!؟ وأنت تعلم أنه يوم وصول مركبك إلى ساعة قبض روحك ستندم أشد الندم لأنك سخرت لهم ولأشيائهم أوقاتا لا يستحقونها.
لم لا تعاملهم في حدود المعقول؟ ولا تجعل فؤادك موطنا لأحد، ذلك قلبك الذي يشيد الخير، والعمارة، والنخوة، وينشر العلم والمعرفة والفن، وحده الذي يحدد مستوطنيه وأنت من توزع تأشيرات الدخول.

صدقني، هناك أيام لو قضيناها بعيدا عن البشر لبدا منها غيض متفجر أعاد للقلوب نبضها، إلى الشرايين دفقها وإلى العيون وهجها. لكننا لا نقوى على الابتعاد، والأشد خطورة أننا لا نجلس مع ذواتنا حتى نستمع لدواخلنا، وإنما نجلس مع الآخر حتى ننصت لهم، ولا نقوى على مواجهة أنفسنا بأننا نعيش لأجلهم، لا لأجلنا، وكأن في وجوههم الذابلة جواذب تستميل أرواحنا وتحيط بقلوبنا. ونحن متيقنون أشد اليقين وأكبره أن النور المتوقد في البدايات سيمحى أثره يوما فيشيح ببطء ثم ينطفئ. حينئذ وحدنا من سنحتمل رقع الثلوج وسيضج الغضب الغضوب عقولا غلبتها المشاعر فيما مضى.

لذلك، فإن أنجح معادلات الحياة تخصيص نسبة من وقتك لنفسك، وقت لا يشاركك فيه أحد وإياك أن تخصص لهم نسبتك. إن فعلت ذلك ستجد نفسك بين أحضان خسارة، ليس من الضروري أن تكون هذه الخسارة عبارة عن ماديات بقدر ما هي معنويات سيكون أكبرها الانعزال، ثم الكسل حتى تظن أنك عاجز، لكنك لست كذلك؛ لأن العجز مرض يصيب الأعضاء فيثبطها عن العمل، أما الكسل فهو سلامة الأعضاء مع غياب الهمة، لماذا؟ لأنك تنتظر دائما كلماتهم، وتشجيعاتهم، ودعمهم واهتمامهم، فلا يمنحونك ما انتظرته، حينها يصيبك الهم ويجول بنفسك أنك غير صالح لشيء. هل يعني عدم اهتمامهم أن الحياة لن تستمر!

لا تنتظر حب أحد، أحب نفسك، لا يوجد هناك أحد أحب نفسه وفشل، اعشق كل شيء فيك، عندها حتى إن وضعت وسط بحر فتأكد ستكون فيه أنت الرياح والسفن. قال صلى الله عليه و سلم: ((قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن))، هذا الهم لا يأتي من عدم بل يأتي بسببك أولا لأنك تعمل دائما على إرضائهم ناسيا نفسك، تعلم أن لا تعاتب أحدا، فالاهتمام بعد العتاب مجرد مجاملة، ولا تعش لأحد غير نفسك وربك، فربك سيغني نفسك عن الكل إن عشت لأجله أيضا. لا تجعل للدنيا وما فيها قيمة، بل اجعل القيمة الكبرى لنفسك وربك تكن خير ناجح وخير مار بالدنيا.
واجعل لك هدفا نبيلا، واسعَ إليه دون الالتفات لجانبي الطريق، إن أكثر الناس نجاحا هو الأصم لأنه لا يستمع لنقد البشر ولا ينتظر ثناءهم.