تغير المفاهيم في ممارسة العمل الجمعوي

187

حينما نذكر العمل الجمعوي وإشكالية عدم وجوده كثقافة متجدرة فينا تكون الأجوبة على هذا المنوال: لا أملك وقتا كافيا لدراستي أو عملي أو واجباتي العائلية، وأحيانا أنا طالب ومالي لا يكفي لأسبوع واحد فكيف لي أن أمارس العمل الجمعوي، أو”توقفت عن العمل التطوعي بعد الزواج…
تتعدد الأجوبة وما سلف ذكره هو على سبيل الاستئناس لا الحصر.
ماذا لو قلت لكم: إن هذه كلها مسوغات ومبررات -لا أقول غير واقعية- ولكنها نظرة كلاسيكية تحتاج منا لوقفة ومساءلة للذات أو نقد جمعي، كيف ذلك؟ سأحاول شرح هذا فيما يلي من السطور.


أود أولا أن أشير إلى ازداوجية والتي عادة ما نغفو عنها سهوا والتي تتمثل في التلاقي بين مفهومي العمل الجمعوي والمبادرة، وعكسهما الاستكانة ومن ذلك نفهم أن الشخص المبادر هو شخص غير متسكين يخلق نتيجة يتفاوت أثرها بحسب معايير سأذكرها فيما بعد. وقد كان لنا في في نبي الله موسى عبرة بالغة حين بلغ مدين ووجد من دون الناس امرأتين لا تسقيان: {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} الشاهد عندنا أن موسى سقى للفتاتين والفعل فيه مبادرة تلاها بعد ذالك أثر وأحداث غيرت من حياة نبي الله وحياة من حوله، وجدير بنا أعزائي أن نستحضر مثل هاته العبر حتى لا نسقط في فخ تبخيس المبادرات.

لكن المشكل الحقيقي الذي يجب أن نعالجه يكمن في رؤيتنا للعمل الجمعوي والذي حصرناه ولولبناه في الفعل الإحساني، ولعل أبرز مثال ونحن على مقربة من شهر رمضان ومعه تأتي كثرة المشاريع التي تروم إلى دعم الأسر المعوزة دعما مباشرا، الحقيقة أن هذا الفعل نبيل للغاية لكننا نحتاج إلى سؤال الذات في هذا السياق، هل حقا مانقوم به يفك أزمة الاحتياج أم أنه ضمادة جراح آنية وبعدها تعود الجراح غائرة كما كانت؟ قس على ذلك أن هاته المقاربة متواجدة في جل المبادرات الجمعوية، لذا يجب أن نخوض مسارا طويلا ومهما لتغيير المفاهيم، حتى يدرك الناس أن الله عز وجل يجزي خير الجزاء من يبني مدرسة مثلما يزجي المتصدق في رمضان، ويجزي عن صدقة جارية كبناء مستشفيات كما يجازي عن التصدق بأضحية العيد، وعن إنشاء التعاونيات وترسيخ المقاولة الاجتماعية كما يؤجر أصحاب الصدقات الجارية…



تغيير هاته المفاهيم وتصحيح المسار يمر أولا بفهم الفرق ما بين العمل الجمعوي والتنشيط الجمعوي والفعل الإحساني، فمعظم المشاريع التي يقوم بها الأفراد والجمعيات لا تتجاوز المستوى الثاني الذي هو التنشيط والمستوى الثالث وهو العمل الإحساني، أما المستوى الأول أي العمل الجمعوي فقِلَّة من يزاولونه وحتى أوضح أكثر سأذكر بعض خصائص هذا المستوى:

-أولا: التأثير أو L’impac : التأثير أو الأثر في العمل الجمعوي صار مطلبا أساسيا، خاصة في طلبات الدعم وله معايير قياسية يعبر عنها بالأرقام وكذا الإجابة عن سؤال مدى نجاعة المشروع Idicateurs de performances.
-ثانيا: أن ينتقل المستفيد بعد المشروع إلى شخص منتج أو فاعل، لذا عادة ما تتوجه الهيئات التي تشتغل بطرق حديثة إلى مجالات كالتمدرس ودعم المدرسة العمومية وقضايا الشباب إلى غير ذلك؛ لأنها تدرك أن هاته الفئة أرضية خصبة يمكن أن تتحول عن طريق التكوين إلى فئة فاعلة تمرر المشعل لشرائح أخرى.
-ثالثا: الدراسة القبلية للمشروع؛ مؤسف حقيقة أن تجد مبادرات رائعة وحين تسأل أصحابها عن أهدافها وطرق تنزيلها، تجد أن أدنى الشروط غير متوفرة كبطاقة تقنية للمبادرة أو المشروع أو ملف يتسنى للواحد منا بعد قراءته فهم الأهداف وكيفية تنزيلها Plan d’action، والمصادر المعتمدة للتمويل Le plan de finacement، هنا يجب أن نقف وقفة تفكير حقيقية؛ لأن آخر ما يفكر فيه معظم أصحاب المبادرات هو التمويل، صحيح أن التبرعات تخلق فرقا مهما، ولكن المشاريع ذات الطابع الدائم لا يمكن أن تتأسس على التبرعات فقط وإلا سنكون قد حكمنا عليها بالإقبار المؤجل.

وبالعودة إلى ما ذكرته في بداية هذا المقال وإجابة عن سؤال الوقت وربطه دائما بسؤال الذات، هل الناجحون يعيشون أكثر من 24 ساعة في اليوم! دعوني أقول: إن القضية بالأساس مسألة تنظيم الوقت، ثم ثانيا الرغبة والإرادة ثم ثالثا الانفتاح. لماذا الانفتاح؟

مع تقدم التكنولوجيا ظهرت بعض المهن الحديثة إن صحت تسميتها بهذا الاسم، والتي تخدم العمل الجمعوي لعل أبرزها:
l community management:
هناك طاقات شابة هائلة بإمكانها استغلال حسها الإبداعي في التواصل المجتعي وتصميم محتويات التواصل دون حاجة منها لحضور الأنشطة بشكل دائم، ولربما عملهم الإبداعي قد يكون ذا أثر بالغ على الحضور الجسدي، صحيح أننا في حاجة لموارد بشرية دائما في خدمة المجتمع ولكننا أيضا في حاجة لطاقات كهاته لتكوين مزيج يصبو نحو التغيير، ولا يخفى على أحد أن التواصل خاصة مع تواجد وسائل التواصل الاجتماعي أضحى يقوم بدور مهم للغاية في تطوير الأعمال واستمراريتها، لكن -مع الأسف- تضيع طاقات شبابية بسبب عدم الانفتاح ولأسباب أخرى كطلب الربح المادي.

البحث عن مصادر التمويل أو: Fundraising
وقد كان لي في سنة 2014 دروس غيرت بشكل جذري نظرتي نحو العمل الجمعوي، كنت آنذاك مستخدما لدى منظمة غير حكومية وكانت لي زميلة أجنبية مكلفة فقط بالبحث عن مصادر التمويل، وكنت نادرا ما أراها، لكنها كانت مؤثرة عني أنا الذي يشتغل طوال النهار وبأقل كلفة مني، فقط بحاسوب متنقل وهاتف وربط بالأنترنت تقتفي عروض الدعم لدى الشركات الخاصة وتنشئ Dossiers sponsoring وكل هذا من دون أن تلتزم بمواعيد رسمية. أذكر أنني في أحد الأيام سألتها بنوع من السخرية: هل الشركات المغربية تدعم المشاريع الجمعوية بالبلاد؟ فكان جوابها الذي عززته بالارقام صادما لي آنذاك، وبعد ذلك أحالتني على عديد من عروض الدعم التي تطلقها السفارات الأجنبية بشكل سنوي بإمكان جميع الجمعيات الاستفادة منها. 

Les influenceurs /euses: هناك العديد من الشباب ممن أنعم الله عليهم بمكانة مرموقة وعدد من المتابعين بإمكانهم خلق أثر كبير بالحضور أو بالترويج لأعمال مجتمعية وفي هذا الصدد هناك نموذج شبابي يحتذى به وأتمنى رؤيته بكثرة، لم يسبق لي حقيقة أن اشتغلت إلى جانبهم لكنني أحببت كثيرا ما يقومون به كالدكتور أيمن بوبوح وفرح أشباب وآخرين..

العمل التطوعي عموما إن لم يمارس عن شغف ورغبة في صنع التغيير تبقى احتمالية الانقطاع واردة في ظل الاستيلاب الشبابي الحاصل ومجتمع يزكي الماديات وتنشئة اجتماعية نمطية وبالية، وأفتح هنا قوسا صغيرا لأقول: إنه لا غرابة في أن نرى نسب الطلاق والفشل الأسري مرتفعة؛ لأننا نعيش في جلباب من سبقونا فحين يتنازل الفرد عن ممارسة أشياء تستهويه كالعمل الجمعوي بسبب الزواج يكون بهذا الفعل قد قدم تنازلات، والعلاقات التي تبدأ بالتنازلات ماهي إلا قنبلة موقوتة، فالأجدر بنا أن نؤصل في الأسر الفعل الجمعوي من صغيرنا لكبيرنا، وتحضرني في نفس السياق تجربة مع أسرة فرنسية سبق لي أن اشتغلت معها وكلمات صغيرتهم ذات الأربع أو الخمس سنوات حين قالت لي: “أنا سعيدة جدا لأني أساهم في تحسين تعليم أطفال لا تتوفر لديهم إمكانيات مثلي.