ما بين واقع و خيال

209
عالم شاسع…حصرناه في بيوتنا، في شاشاتنا الصغيرة، التي نحرص بطريقة غير إرادية على أن لا تنطفئ، نصاب بنوبة من الهلع إذا أوشكت على ذلك، ومن شدة هذا الهلع نقوم كالمجانين لشحنها. أصبحت أول وآخر شيء نحب أن نراه حتى نشعر بتلك الراحة النفسية التي تبعث في روحنا الحياة من جديد.
وفي ظل كل هذا الإدمان، نعتقد حقا أننا لسنا مدمنين، وأننا نملك السلطة على التكنولوجيا، وأننا نختار متى وكيف، ولِكم من الوقت نستعملها. في توالي الليل والنهار، أصبحت وَنِيسا لنا، ورفيقا نعيش معه جميع تقلباتِ المزاج؛ حيث كل شيء جائز؛ الضحك، والبكاء، والحزن والسعادة.

حتى أنه يمكنك الصراخ والانزعاج دون خوف من فقدانها. تجعلك تشعر بأمان تام وتحتويك في جميع حالاتك. وشيئا فشيئا، وبلا شعور، نلغي لقاء، أو أمسيةً، أو نتغيب عن دعوة، ليصبح ذلك مرتين، ثم ثلاثا، ثم انعزال تام عن العالم الواقعي، مفضلين تلكَ الغرفة المظلمة الباردة مع ونيسِنا الذي لن ينتقدنا، الذي سيتقبّلنا ويجعلنا دائما على حق ليصبح منصفا لنا.
صحيح أنها مكنتنا من السفر حول العالم من مكاننا، وجعلتنا نكتشف العدد اللامتناهي من الثقافات، وجعلتنا ننبهر بمدى اختلافنا، وفي نفس الوقت بمدى تشابهنا.
صغّرت المسافات وقرّبت البعيد، وجعلتنا نكتشف مختلف طرق العيش. حتى أنها تمكننا من إنشاء علاقات جديدة في إطار افتراضي جديد؛ فعندما كان العادي هو التعرف على الناس أولا في الواقع:
لقاء أو اجتماع أو عرس أو محاضرة، ليأتي بعد ذلك تبادل كل ماهو رقمي، انقلبت الآية ليصبح الافتراضي هو العادي، حتى أن هذا الغزو وصل لدرجة متقدمة ليصبح مورِد رزقٍ للكثير من الناس.
وبما أن هذا النمط الجديد من الحياة جعلنا ننفتح أكثر لنرى الأمور من عدة زوايا، جعل لنا الحرية التامة في اختياراتنا لنستمد الإيجابية والشجاعة لإنجاز وصقل أنفسنا؛ فنرى ذاك الذي سبر غَور هذا العالم ليتعرَّف عمقَه ومقدارَه ويأخذ ما سيُطوره.
إلا أننا نجد الكثير من الناس الذين أخذت حياتهم منحىً معاكسا؛ حيث تبددت ظُلمات أغوار هذا المحيط الافتراضي لنحصل على نتائج كارثية… فلا تنخدع كثيرا بما تراه كل يوم على شاشتك الصغيرة، معتقدا أن الحياة جد مثالية، ومتسائلا عن حالك. من المؤكد أن الصور تعكس هذا الجمال الخداع، وتريك الجانب المضيء للقصة، غتكتفي فقط بإبهار عينيك لتسلمك مهمة تتبع ما وراء الصورة في خيالك، حتى تجد نفسك تائها ما بين واقع وخيال أو بين حقيقة ووهم، فتحاول جاهدا أن تساير هذا النمط الجديد من الحياة، الذي لا يشكل فيه البشر إلا جزءا صغيرا، قاصدا التحكم فيه لمصلحتك، حتى لا تستسلم في دوامة هاته الجاذبية.