نقطة البداية في بحر الكتابة

790

أتذكر أول مرة بدأت فيها بالكتابة كانت أيام الدراسة في الثانوية، كنت دائما ما أجد نفسي أكتب كلمات مبعثرة على كل ورق أجده أمامي، سواء داخل القسم أو في المنزل أو حتى في المقهى، دون أن أحتفظ بما كتبت أو حتى التفكير في إعادة قراءته. لم أكن في ذلك الوقت أملك فكرة واضحة عن ماهية الكتابة وعن الدور الذي تقوم به في حياة الإنسان، ولا حتى تلك المعرفة الشاملة بقواعدها وخصوصياتها التي قد تمنحني الحق لكتابة مقال طويل يصوغ كومة الأفكار المكتظة بعقلي في صورة نهائية وواضحة.

كنت في غالب الأحيان أكتفي فقط بتلك الكلمات المتناثرة التي أكتب، ربما كنت الوحيد من يفهم دلالتها العميقة؛ لأنها كانت تمثل جزءاً كبيرا من أفكاري ونظرتي للحياة بمختلف مجالاتها ومراحلها، لكن إذا ما قرأها غيري قد يشعر للحظة أنه يقرأ مجموعة خربشات لا معنى لها. رحلتي مع الكتابة لم تكن في البداية على شكلها الكلاسيكي كمن يؤمنون بها كموهبة فور اكتشافهم لها، فيسعون جاهدين لصقلها والعمل على تطويرها لتعطي ثمارها بعد مدة من الممارسة والصبر، بل على العكس كنت فقط أغتنم تلك الرغبة الجامحة بالحاجة إلى الكتابة فأتناول القلم والورقة ثم أفرغ كل ما يجول في خاطري من حديث، دون أدنى اكتراث لمضمون اللغة ما إذا كانت سليمة تحترم القواعد وأسلوبها واضح، حتى الأخطاء الإملائية لم أكن آبه لوجودها، كنت فقط أرغب في التخلص من تلك الزوبعة من الأفكار على الورق.

آنذاك حدث معي موقف جعلني أطرح على نفسي العديد من الأسئلة المبهمة محاولا فك رموزها لعلني أجد ما الذي أبحث عنه في الكتابة. كنت في حصة اللغة العربية وبعد انتهائها بقيت جالسا في مقعدي خلال فترة الاستراحة لم أشأ مغادرة القاعة، وكعادتي أخدت القلم والورقة فباشرت بالكتابة، لم تمر إلا دقائق قليلة حتى تفاجأت بصوت الأساتذة خلفي تخاطبني قائلة: هل أنت من كتب هذه الأسطر؟ -وبحكم أن أستاذة اللغة العربية كانت تربطنا بها علاقة جيدة أنا وباقي تلاميذ القسم، بعيدة كل البعد عن تلك الصورة النمطية التي تجمع الأساتذة بالتلاميذ، تلك العلاقة القائمة على الخوف من الأستاذ والحيطة والحذر أثناء حديثنا معه بل كانت تعتبرنا كأبنائها، حتى في طريقة حوارها معنا بعيدا عن أجواء التدريس كانت تمنحنا تلك الثقة والجرأة على الحديث وقول كل ما يجول بخواطرنا من أفكار دون تردد، وبطبيعة الحال في حدود الاحترام والتقدير- أجبتها بنعم أنا من كتب هذه الأسطر، فقالت لي: أعلم أنك تحب اللغة العربية فذلك واضح من أسلوبك في سرد وتحليل المواضيع التي أطرحها عليكم في الامتحانات، وكذلك من خلال هذه الأسطر التي كتبتها للتو. لكن سؤالي هو: هل تجد الشغف في الكتابة وتطمح لتطويرها كموهبة مستقبلا أم أنك فقط تجد ضالتك في الارتجال على الورق وتفريغ أفكارك عليه مثل ما فعلت الآن، دون أن تأبه لإعادة ترتيبها وتعديلها وتصحيح أخطائها؟ قلت لها: لا أخفيك سرا يا أستاذتي أني لم أفكر من قبل في أمر تطوير أسلوبي في الكتابة، ولم تكن ضمن قائمة ما أعتبره موهبة أو هواية، لكن لا أدري، ربما في المستقبل سأعمل جاهدا على تطويرها، ولم لا استثمارها في طرح المواضيع والأفكار التي أرى فيها النفع والقدرة على التأثير في محيطي وإحداث التغيير ولو بنسبة ضئيلة.

ثم أخدت الكلمة واسترسلت قائلة: كل هذه الأفكار يا إسماعيل هي جيدة ولا شك أنك ستحققها يوما ما، وهذا بالضبط ما نطلق عليه طموح الشغف أي أن تجمع بين شغفك وأهدافك فتصبح على طريق واحد. وإذا أردت أن تأخذ بنصيحتي، فيجب عليك التفكير من الآن فصاعدا على العمل باجتهاد لتطوير كتاباتك وأسلوبك، وأفضل طريق تسلكه هو أن تربي عادة القراءة فيك وتجعلها شيئا أساسيا في يومك، أما عن نوعية الكتب التي يجب قراءتها، لا يهم إن كانت أعمالًا اتفق التاريخ الأدبي على جدارتها أم سطور لكاتب مغمور، بل الأهم أن تكون من الكتب التي تجعلك تصل إلى ذاتك وتحاورها ثم تضخ فيك شغفا لمطالعة المزيد حتى تشعر أنك ممتلئ فكريًا وروحيًا. وعليك أن تعتبر نفسك سائحا فيما تقرأ وحاول دائما الاندماج معه، حتى تصل إلى ما يمكن أن نطلق عليه “الجوهر” الذي قام عليه كل من: الفكرة، واللغة والعمل الأدبي بأكمله، وحين تصل إلى تلك الدرجة من التوافق والتشبع، ستضمن بلا شك اكتساب “المهارة”.

لكن هل يمكن أن تفسيري أكثر يا أستاذتي ماذا قصدت “بالجوهر”؟ قالت: بالطبع، سأعطيك مثالا: حين نسعى إلى تعلم لغة ما، فإن الاكتفاء بحفظ المفردات والقواعد لا يفيد بالشيء الكثير، ولكن إذا طورنا مهارة الوصول إلى “الجوهر” المميز لهذه اللغة بمعنى خصوصيتها، فإننا سنذهل من سرعة تعلّق قريحتنا بها، يكفي أن نسمع لها، وأن نعيد كتابة نصوص منها في حالة من الحضور، دون أن نجهد في تتبع معاني المفردات أو مدى فهمنا للقواعد النحوية، وبصورة لا ندركها نتمكن من الشعور بها، وهكذا يطور جهازنا الداخلي طواعية فريدة في تقبّل هذه اللغة، ومن ثمَّ الألفة الفكرية معها التي تؤدي إلى إتقانها تدريجيًا. لذا أوصيك أن لا تقرأ إلا ما “يُلهمك”؛ لأن الإلهام هو ما تحتاجه للكتابة، أما الكتب التي لا تحدث انقلابًا أو غضبًا أو دفعًا باتجاه ما بعد أن تقرأها، فلا تضيع وقتك معها حتى لو كانت ضمن قائمة الأدب العالمي. وحاول حين تكتب عن موضوع ما أن تصبح ذات الموضوع والمعنى الذي تكتب عنه، حتى تزيل كل الفوارق التي تقتضيها اختلافات الشكل، وبهذه الطريقة ستلمس كتاباتك مختلف الفئات. وإذا سلكت هذا الطريق ستضمن أولى خطواتك نحو عالم الكتابة.

بالطبع كل هذه النصائح ظلت محفورة بذاكرتي، لكن لا أخفيكم أني لم أكن من المجتهدين في أول الأمر، وواصلت طقوسي في الكتابة كما قبل، إلا أنه في كل مرة كانت نصائح أستاذتي تتردد على مسامعي لوقت طويل، خاصة بعد أن سافرت إلى السينغال لإكمال دراستي الجامعية، ومع توالي الأيام والشهور بدأت بمحاولات ضعيفة في بادئ الأمر لتطوير أسلوبي في الكتابة؛ حيث انطلقت في رحلة طويلة بين الكتب باحثا فيها عن المعرفة وتطوير الذات، وكذلك لغرض إثراء أسلوبي وطريقتي في الكتابة، فحولت كل تلك الكلمات المتناثرة على الورق إلى خواطر أطلقت عليها “خواطر مغترب”، ثم بدأت بترتيبها ومحاولة صياغتها في مقالات هادفة.

ولكي أختم مقالي هذا أود أن أنقل لكم ما قاله لي الدكتور الجراح أيمن بوبوح قبل عدة أسابيع عندما توجهت إليه بسؤالي عن أفضل الطرق الواجب اتباعها لتطوير الكتابة، والذي أعتبره من بين الأشخاص الذين يلهمونني خاصة من خلال مقالاته وطريقته في طرح الأفكار وإيصال الرسائل ذات قيمة ومعنى. فقال لي بالحرف: الكتابة هي ممارسة يا إسماعيل فعليك بالقراءة المكثفة والمتنوعة وممارسة الكتابة كل يوم…واصبر على ذلك.