الأنانية الإنسانية

184

عرف تاريخ الإنسان أوقاتا عصيبة، وثقوبا سوداء جعلته يخسر الملايين من الطاقات البشرية؛ ففي حقبة ما بين القرن الخامس والسابع من الميلاد، كان كائنا دقيقا، لا يرى حتى بالعين المجردة، مسؤولا عن القضاء على مدينة بأسرها في وقت قياسي، كالجدري، الذي كان يتجول في جسم الإنسان كالسم، يدمر كل جزء منه، ما ينفك حتى ينهي حياته، لينتقل بنفس السرعة التي فتك بها ضحيته الأولى إلى الثانية والثالثة ثم إلى الملايين الأخرى من الضحايا، الذين إذا ما نجا بعضهم رافقتهم ندوب عميقة مدى الحياة.

كان الإنسان في أعتم حقبة، ضعيفا، لا حول له ولا قوة، يشاهد هذا الدمار الهائل، تائها، يحاول معرفة ماهية هذا الوحش، ;معرفة نقط ضعفه، محاولا إبادته، حرب شنت، أثبتت فيها القدرات الخارقة للعقل البشري، لتعلن المنظمة العالمية للصحة أول انتصار للبشر عام 1980، كانت فترة قاسية، لكنها زالت للأبد.
تلى هذا الانتصار، انتصارات وإنجازات وتطورات كثيرة، بفضل العزيمة والمجهودات اللامتناهية، حتى أصبح الإنسان قائد هذه السفينة الكبرى المسماة بالأرض، ومؤمنا بطاقته المتزايدة يوما بعد يوما. ماذا يعني كل هذا؟ الإجابة عن هذا السؤال تتطلب التطرق لأمرين متلازمين لا يمكن حدوث جزء منهما دون الآخر.
الأول: أن الإنسان كائن غامض، يتمتع بقوى خارقة يكتشفها في كل موقف يهدد حياته، يجد نفسه يبحث ويثابر من أجل البقاء، ومهما بلغ ثمن طوق النجاة في بقاء جنسنا على قيد الحياة، فلا بأس بالتضحية بالكائنات الأخرى، وهذا ما يعرف بالأنانية الإنسانية…
أي أن الدافع الرئيس وراء الأفعال الإنسانية، هو المصلحة الشخصيةً، هو راحتنا، فمن كان يتخيل انتقالنا من الوقت الذي كنا نُباد فيه كالجراد المنفوش على يد فيروسات وطفيليات، إلى هذا التطور العجيب الذي نعيشه اليوم، فلا نسمع الآن حالات وفيات بسبب الجدري أو المجاعات وغيرها، بل إن أكثر أسباب الوفيات أصبحت بسبب السمنة، والسكر، وقلة الحركة الناتجة عن التوفر الزائد لكل ما يمكن احتياجه، لينتج عن هذا الإفراط ارتفاع أمراض القلب والسرطانات وغيرها، وبالتالي الموت.

الثاني: هو أن ما حققته البشرية اليوم، لم ولن يغدو ممكنا لولا التضحيات التي قُدمت بدون اختيار من طرف الطبيعة ومختلف المخلوقات في إطار البحوث الحيوانية؛ حيث إن كل إنجاز طبي في القرن العشرين، يعتمد على استخدام الحيوانات بطريقة ما. وفي هذا الصدد، هناك الكثير من الجدل، فنجد المؤيدين الذين يرون أن التجارب على الحيوانات جزء لا يمكن إلغاؤه لتطوير الطب والبيولوجيا، نظرا للفيزيولوجيا المتشابهة بين الإنسان والكثير من الحيوانات، كما قال كلود براند في مقولته الشهيرة: “إن علوم الحياة عبارة عن قاعة مستنيرة ومبهرة لا يمكن الوصول إليها إلا مرورا بمطبخ طويل ومروع”، والذي ساهم في تطوير الطب من خلال أعماله، كفهم دور العصارة البنكرياسية في هضم الدهون، ودور الكبد في إفراز الغليكوز وغيرها… إلى معارضين، يرون أن للحيوانات حقا جوهريا في ألا يتم استخدامها في التجارب، وأن استعمالها هو جريمة وأن التقدم تتم إعاقته لا تطويره بالنماذج الحيوانية، إلى غير ذلك من الأسباب…

قسمان مرتبطان، يشكلان دائرة لا تنتهي، ومهما اختلفت الآراء بين مؤيدين أو معارضين، فلا يمكن نكران فضل تلك التجارب في صون صحتنا وراحتنا. كنت جالسة في مختبر الجامعة، أسجل مفعول دواء على فأر تجارب، عندما راودتني كل الأفكار التي ذكرتها سابقا، كانت بمثابة حرب تجوب حقل أفكاري، ولم أعلم إلى أي فريق أنتمي، هل أنا مؤيدة أم معارضة؟ ولكنني استنتجت أني لا يمكن أن أعرف أو أقرر هل كنت سأعارض إن خيروني بين حياتي وحياته أو العكس؟ فلست أنا التي كان المرض ينهش جسدي وجسد عائلتي. لكن، لأكون صريحة تماما -وهذا بالطبع رأيي الخاص- لا أحبذ فكرة إجراء تجربة فقط من أجل الفضول، لماذا تجربة مواد أو أدوية نعرف مسبقا مفعولها ومدى نجاحها ونستعملها أيضا؟ فلماذا الألم؟ 

تساؤلات وإجابات وآراء مختلفة لن تنتهي، لسبب واحد، هو العقل البشري، هذا اللغز الغامض بقوته اللامتناهية، وقدراته الخارقة، التي جعلت منا ما نحن عليه اليوم.