هل من السهل تحديد معنى للحياة؟

216

“ما معنى الحياة؟”، سؤال لطالما مر على أذهاننا، نفكر فيه بعمق تارة، ونغض الطرف عنه تارة أخرى، لمحاولة الإجابة عنه دعونا نتناول الموضوع باستساغة.
عندما تم تعليمنا أبجديات تحليل مقولة معينة أو مناقشة نص في مادة الفلسفة، غالبا ما كنا نستهل تحليلنا بمفهوم مفصل للإشكالية، بعدها نبدأ بطرح الأسئلة.
إذن قبل الشروع في مناقشة معنى الحياة، دعونا نتساءل أولا، ما الحياة؟ هل تقبل مفهوما واحدا صارما؟ أم يمكن تعريفها  من خلال مفاهيم مختلفة؟

الفيزيائي إرفين شرودنغر، صاحب نظرية القطة العجيبة، في كتابه “ما الحياة” عرف الحياة على أنها مقاومة الأحياء للتوازن الناتج عن التحلل، ففي نظر شرودنغر، الطبيعة تؤول دائما للتوازن، فأنت أيها الكائن الحي، بحركاتك ونشاطاتك تربك وتبغض الطبيعة، لهذا هي تحاول القضاء عليك من أجل استقرارها المبتغى، فبمقاومتك لمحاولة القضاء هذه ينتج صراع البقاء.
في تعريف آخر، هناك من يختزل الحياة في اللمس، والشم، والتذوق، والسمع، والرؤية والإحساس، الإشكال هو أن كل هذه الأفعال لا تقبل تفسيرا علميا حيا، فالطبيعة لا تعرف شيئا اسمه اللون، ولا تعرف شيئا اسمه الصوت، اللون الأحمر الذي نراه منبثقا من وردة ما، هو عبارة عن فوتونات يحللها وعينا ويمررها لأعيننا على أنها لون. زقزقة العصافير التي نسمعها كل صباح، هي عبارة عن موجات لا تختلف عن أي موجات أخرى، كل هذه الإسقاطات تتم في الوعي بطريقة مبهمة غير معروفة، وهذا ما حير العديد من علماء الأعصاب، فلحد الساعة لا توجد أي ورقة علمية تفسر ماهية الوعي أو طريقة عمله.

هنالك أيضا من يستند للكوجيتو الديكارتي ليبين وجوده ككائن حي مستقل بذاته، “أنا أفكر إذن أنا موجود”، فالوجود هو شعورك بذاتك، وشهواتك، وآمالك وطموحاتك، لكن إدراكنا لذواتنا وللكون المحيط بنا يتم عبر الوعي أيضا، فتخيل معي عزيزي القارئ أن إحساسك بالحياة مبني على شيء مبهم غير مفسر في المجتمع العلمي لحد الساعة.

هذه التعددية المفاهيمية تحول دون إيجاد مفهوم كوني شامل واضح يوفر علينا عناء تحليل كل مفهوم على حدة، ويسهل لنا على ضوئه مناقشة معنى الحياة.
غالبية الناس يربطون معنى حياتهم بمعتقدهم الديني، لكن تعدد المعتقدات والفلسفات تضعنا أمام التساؤل التالي: هل معنى الحياة يخضع للذاتية والنسبية؟ أم يمكن تعميمه؟
لنرى ما تعتقده مختلف الفلسفات في هذه المسألة.

الفلسفة الأبيقورية أو فلسفة المتعة تختزل معنى الحياة في المتعة، شريطة ألا تكون هذه الأخيرة متناقضة مع البقاء الإنساني، فالفيلسوف اليوناني أبيقور قسم المتعة إلى ثلاثة أقسام، المتعة الجنسية، تليها المتعة الشعورية ثم تتربع على عرش السلم المتعة العقلية، بعدها أضيفت للسلم، متعة الإسهام في المنفعة العامة من طرف جون ستيورات ميل في الفلسفة البراجماتية/النفعية.
الفلسفة الرواقية، ترى أن الإنسان لا يمكن أن يصل لمعنى حياته إلا عبر كبح جماح عواطفه، والتحرر من قيود انفعاله، فالفيلسوف الرواقي أبكتيتوس قال: إن “معين السعادة هو النفس لا الأشياء الخارجية”، أي أنك عزيزي القارئ، إذا استطعت تحويل أهدافك الخارجية إلى أهداف داخلية فسوف تصل إلى المعنى الجوهري للحياة، مثلا إذا كنت تدرس بجهد بغية التبجح بعلمك فإنك ستصاب بخيبة أمل إذا لم يتم تقديرك، لذا فالأولى هو أن تدرس من أجل الارتقاء بالذات فكريا وعلميا.
وفقا للفلسفة الوجودية، فالإنسان هو الذي يحدد معنى لحياته، لكونه كائن حر في تفكيره، ومستقل بذاته، لا يحتاج لمن يفرض عليه قيما أو أخلاقا معينة.
بهذه الالتفاتة الموجزة لمعنى الحياة في مختلف الفلسفات، تبين لنا أن لكل فلسفة وجهة نظرها الخاصة، وهذا ما يبين أن معنى الحياة مسألة شديدة الخصوصية والنسبية، فمن الاستحالة تعميم معنى حياتي واحد وإسقاطه على البشرية جمعاء.