الإنسان ذو البعد الواحد

1٬509

يبدُو أن طبيعةَ الحياة في هذا العصر لا تترك لنا فرصَ التأمل، ومحاولة فهم هذا العالم الذي نعيشه، فعجلة الحياة تَعرِكُنا عرْكاً كل يوم؛ فلا نكادُ نأخذُ أنفاسنا حتى نكتشف أننا في سباق جديد. وهكذا تمر عليك الأعوام، وأنت تجري وراء أمور لستَ متيقنا من حاجتك إليها، ولا من نفعها لك بعد تحصيلها. يبدو المشهد وكأنه على هذه الشاكلة: هناك أشياء يُراد لنا أن نفهمها، وأن نصدقها، وأن نعمل وفقاً لها، دونما توقُّفٍ للتفكير في الجدوى والوظيفة. ولَن نُبعِد النّجْعَةَ إذا ردّدنا مع عبد الوهاب المسيري قولته: “إن العصر الحديث مؤامرة ضد الإنسان”، والتي كان ينقلها عن أحد المفكرين الغربيين لا يحضرني اسمه في هذا السياق.

في هذا العصر، تصورك عن العالم تحدّدُه نشرات الأخبار والمناهج والمقررات الدراسية، والتي من شروط صحتها أن تنال رضى بنك النقد الدولي، ورضى “أهل الحلّ والعقد” في العالم. ووفقا لذلك، تُقسم الكرة الأرضية إلى دول محددّةَ الحدود، تُثَبّت على الخريطة، وهي ملونة بألوان غير متجانسة. والواقع أن خريطة العالم التي تلتقطها الأقمار الصناعية مباينة لهذه تمام المباينة، فهي تُظهر الأرض زرقاء بهية، مزركشة بالبحر والجبال والغابات والصحاري. من الطبيعي أن الأرض، بصفائها ونقائها، مجردةً عن الاعتبارات السياسية، ومما تقتضيه من وضع الخطوط والحدود بين البلدان، هي أجمل وأبهى وأسلب للعقول؛ وهي ترمز إلى العظمة والجمال والخلود. لكن الإنسان الحديث إذا ذُكرت الأرض لم يتبادر إلى ذهنه إلا الخريطة السياسية، وهي التي تحدد تصوره عن كوكبه الأرض.

لعل من مظاهر مؤامرة العصر الحديث ضد الإنسان التحكُّم في تصوره عن الزمن، فالزمن أصبح مرتبطا غاية الارتباط بالعمل، حتى لكأنّ العمل هو محور الحياة كلها، ولذلك فهو لا يبدأ نهاره إلا مع رنين منبه هاتفه، الذي لا يرن، في العادة، إلا حين لا يبقى من الوقت إلا ما يَسَع الاستعداد للالتحاق بالعمل اليومي، من غسل أسنان-حتى تكون ابتسامته جذابةً للزبناء-، ومن تناوُلِ فطور –حتى يكون أكثر إنتاجية في عمله، لما للفطور من تأثير على مردودية وإنتاجية الأشخاص-، وانتقاء لباس –حتى يظهر بمظهر جيد، يعطي انطباعات إيجابية للزبناء-. وهكذا يقضي أيام الأسبوع كلها، فإذا حل يوما السبت والأحد، تعطّلت إنتاجيته بشكل فجائي، وربما تكاسل حتى عن ممارسة تمارينه الرياضية الروتينية! الأمر يبدو بهذه البساطة: الوقت لا أهمية له إلا حين يتعلق الأمر بالعمل، الذي هو جزء لا يتجزأ من نظام شامل متوغّل في حياتنا، أما حين يتعلق الأمر بأمور الشخص الخاصة الفردية، سواء تعلق الأمر بإعداد أكل صحي، أو ممارسة التمارين الرياضة أو قضاء وقت مع العائلة، أو غير ذلك، فلا قيمة للوقت، وهذه الأنشطة يمكن أن تُعوض بالذهاب على الفور إلى أقرب مطعم.

والأمر لا يتعلق بالتنميط فقط، أعني تنميط تصوراتنا عن الزمن، وتنميط أولوياتنا، وما المهم وما غير المهم لنا، وإنما يتجاوزه إلى ممارسة نوع من العنف، وفرض حياة ببُعد واحد، وهي التي أشار روبرت ماركوزه إليها في كتابه الإنسان ذو البعد الواحد.
هل يعني ما سبق أنه سيكون أفضل لو تُركنا في دورة زمنية غير محددة بالأيام والساعات؟ رحلة متماهية في الزمن! في الواقع، ليس هذا هو المقصود، وإنما القصد أن الزمن أجمل حين لا يكون مرتبطا بالعمل فقط. تأمل في الصبح وهو ينفلق، وفي الليل إذا عسعس، وفي شمس الشروق إذا أقبلت، وفيها وقت الغروب إذا أدبرت، تأمل في وردة الربيع وقد تفتّحت، وفي ورق شجر الخريف إذا تساقطت، وفي تربة الأرض في وقت الشتاء إذا تجددت وتنفست وارتوت .. ستدرك أن للزمن جمالا آخر، ودورا آخر، لن تدركه حين تذوب في عجلة الحياة المعاصرة.

لا أقصد من هذا الكلام التذمر من الحياة المعاصرة، فقد أفدنا منها الكثير، ولا يُنكر الفضل إلا عديم الفضل، ولكن الغاية التنبيه إلى وجوب الحذر من الانغماس الكلي فيها، ونسيان الحياة الطبيعية التي يعيشها الناس على سبيل المثال في البادية، التي يعيشها الفلاح والراعي وغيرهما، والذين يستشعرون تقلبات الفصول ، ويدركون حقيقتها، ويعيشونها. ومجمل القول أن الزمن لا يصح تقسيمه إلى أيام عمل وأيام نهاية الأسبوع؛ الأولى هي أيام إنتاج وكد وتعب، والأخيرة أيام عطالة وكسل ونوم.
قد يكون السفر مما يساعد على التمرد على هذا التنميط لتصوراتنا؛ إذ من خلاله تقف وترى رأي العين أن الموقع أو الوطن الذي تعيش فيه في هذا الكون ليس إلا بقعة صغيرة من كون شاسع، وأن تقاليده وثقافته في العيش، بحق، ليس قوانين طبيعية، لا يجوز الخروج عنها، وأن الناس ليسوا كلهم كمَن تعرف مذ كنت واعيا أولَ الأمر، فكلما انتقلتَ اكتشفتَ أشياء أخرى، ملامح للناس مختلفة، طرقا في التعامل مختلفة، تضاريسَ وطقسا مختلفين، وهكذا دواليك.

ومن الجوانب المهمة في الزمن التي علينا أن نتفطن لها، حجم التغيرات التي تحدث بمروره؛ فكم من أفراح تحولت أحزانا، ومن أحزان صارت أفراحا، وكم الأصدقاء الذين، بعد طول العشرة، خانوا وتخلفوا وانقلبوا وانسلخوا وأنكروا وجافوا؛ ومن الأعداء الذين، بعد العداوة، تبدلوا فأعانوا وأحسنوا، وبعد الظلم، أنصفوا وعدلوا، ومن الأصحاء الذين، بعد نِعَمٍ طويلة في الصحة، مرضوا وأُقعِدوا، ومن المرضى الذين، بعد اليأس من الشفاء، شُفوا وصحوا؛ وكم من الفقراء، بعد شدة فقر وفاقة، اغتنوا وأثروا، وكم من الأغنياء، بعد أن ذاقوا حلاوة الغنى والثراء، احتاجوا وافتقروا، وكم من تقي فجَر، وكم من فاجرِ تاب وانقاد وشكر .. كثيرة هي التغيرات التي تحدث بتوالي السنوات، ولا بد لنا أن نتوقف لحظة للتقييم وتجديد الرؤية، لتحديد موطئ أقدامنا من جهة، وما حصيلتنا من هذه التغيرات من جهة ثانية.
وفي ذلك كله، ينبغي أن نضع نصب أعيننا وصية الرسول، عليه الصلاة والسلام، الخالدة؛ إذ قال: ﴿اغتنم خمساً قبلَ خمسٍ، اغتنم حياتَكَ قبلَ موتِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وشبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وغِنَاكَ قبلَ فقرِكَ، وفراغَكَ قبلَ شغلِكَ﴾ أخرجه أبو عبد الله الحاكم (تـ 405هـ)/المستدرك على الصحيحين.

ولو سألتني، عزيزي القارئ، عن أهم ما استفدته هذه السنة، وما الدرس الذي لُقِّنـتُه لكان جواب سؤالك أن أهم ما استفدته عن أسس العلاقات بين الأفراد في هذا العصر؛ فهذه العلاقات، حسب ما يبدو لي، تُشبه إلى حد بعيد العلاقة التي تجمع الدول ببعضها البعض، وأنت خبير، عزيزي القارئ، أن العلاقات بين الدول لا تبنى إلا على أحد أمرين: المصلحة، متبادلة كانت أو غير متبادلة، أو الاستغلال، وهو اقتضاء المصلحة من الطرف الضعيف بلا عوض. فإذا جئتَ إلى عالم الأفراد والأشخاص لم تجد أن هناكَ فرقاً، الأسس نفسها، والغايات نفسها. الحياة المعاصرة، لمسايرتها من غير عُقد نفسية، نحتاج أن نُحاط بالكثير من المشاعر الإيجابية من أحبابنا وعائلاتنا: حبا وعطفا وحنانا وصداقة …، ونحتاج أن يصير للدين والأخلاق في حياتنا حضور قوي ومتجدد، وأن يصير للإنسانية في تعاملاتنا دور محدد. لكن، ومن أسف شديد، الذي يحصل على أرض الواقع أن ذلك كلَّه يُوضع على المحك حين يرى الإنسان أن مصلحته “المادية” قد هُدِّدت، وأنها ستُنتَقص، فيَهرع إلى إنكار الفضل المتقدم، والجميل المتقرر، جحوداً وعناداً؛ وما أجملَ أمر الله تعالى للأزواج الذين لم يَعد يمكن أن يضمهم بيتٌ واحد لشدة الخلاف، وحيث إنه لا بدَّ من الطلاق، ما أجملَ أمره في قوله: {ولا تنسوا الفضل بينكم{ [البقرة الآية 237]؛
نعم، لا يَنسى الفضل المتقدم إلا عديم الضمير، مشوَّه الفطرة، مهما كانت الخلافات التي طرأت.

وختاما، أحببْتُ أن أشير إلى أنه إذا تعذر علينا الخلاص من التنميطات التي تضطرنا إليها طبيعة الحياة المعاصرة، فلا أقلَّ من أن نكون على وعيٍ بها، وأن نتخفف منها ما أمكننا ذلك، وأن العالم إذا تعذر علينا تغييره، وجعْلُ ذلك أولى أولوياتنا –كما يدعو إليه ماركس-، فلا أقلَّ من أن نفهمَه كما حاول غيره من الفلاسفة، والفهم شرط أوّلي لأي تغيير؛ إذ لا يُمكن تغيير مجهول؛ لأن الجهل به مانع من إدراك حالته المغيَّرة وحالته المغيَّرة إليها. ومناسب أن أورد في هذا المقام، مقولة جلال الدين الرومي المشهورة، لتكون مسك الختام، يقول: “بالأمس كنتُ ذكيا، فأردتُ تغييرَ العالم. واليوم، أنا حكيم، ولذلك سأغير نفسي”. لِنُغيّر أنفسنا، وبذلك نُسهم في إحداث تغيير في العالم، وقد جرى من سنن الله الماضية في خلقه، التي تنزّل بها القرآن الكريم: أنه لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم.