أين الطفل؟

150

من الرحم كانت بداية البداية، نطفة، علقة ثم مضغة فجنين لتعطى صافرة الانطلاق نحو حياة أخرى، حياة وردية يكسوها حليب عذب المذاق ونوم جميل في أدفأ حضن في العالم، خيال يجوب كوكب زمرد، وذهن صاف خال من الضوضاء، وحركات بسيطة لاكتشاف معالم كوكب آخر، يرمي الطفل لعبته ليدخل كوكب الكبار، ويقتحم عالم الأرقام فتمر السنين، ويعيش تفاصيل وأحداث حياة كتبت سيناريوهاتها مسبقا قبل وقوعه في غيابات الرحم.

اليوم صار الطفل شخصا ناضجا حين تجالسه وتحدثه يردد جملة: “الحياة صعبة جعلت مني شخصا آخر”، جملة تنطقها الأفواه بشدة تختزل بين طياتها الكثير وإن طلبنا منه تفصيلها وشرح معناها فليس الأمر بالهين؛ لأنها جملة مقتبسة من مجلد حياة يصعب سردها، حياة عاش مطباتها وعقباتها في كوكب عانى من الضغط الحياتي فوق غطائه المجتمعي.

لكن أين الطفل؟

نمتطي قطار الحياة لنعيشها بحلوها ومرها، بفرحها وقرحها، وفي كل محطة نمر فيها إلا وتترك أثرا في دواخلنا، نتغير ويتغير كل شيء فينا، نقف أمام مرآة الحاضر فندرك أننا ما عدنا ذاك الشخص الذي كان في الماضي، لكن مع كل التغيرات التي نعيشها، في داخلنا طفل أبى أن يكبر ويتغير، ظل صامدا أمام وابل تلك التغيرات، طفل يظهر بين الفينة والأخرى، يظهر حين نحضن أمهاتنا ونقبل جبينهن، حين نرتمي بين أحضانهن بينما يداعبن خصلات شعرنا فنغمض أعيننا حتى نسرق من صخب الحياة لحظات سكينة وطمأنينة، يظهر ذاك الطفل حين نلاعب أطفالا صغارا، حين نحكي لهم قصصا قبل النوم، يظهر حين نصادف أرجوحة على الطريق، حين نسير تحت المطر، وحين نبكي فرحا أو حزنا.

نحن ذاك الطفل الذي ارتاد مدرسة الحياة محاولا أن يمر بمنعطفاتها دون تعثر، وحتى لا يضيع في متاهاتها اختار لنفسه أن يرتدي قبعة الاختفاء، ليظهر بين الفينة والأخرى، وقد يتخفى في بعض الأحيان مجبرا بستار القسوة والكره؛ لأننا وبالعودة إلى بداية البداية نولد صفحات ناصعة البياض قد تكتب فيها أشياء جميلة تزيدها بياضا وقد يعكر لونها الأبيض بخدوش سوداء فيصير الطفل تائها بين الصفحات يرمي القبعة بغية الظهور لكن دون جدوى.

سعيد من حافظ على ذلك الطفل ورعاه وأعطاه سلطة الظهور وقتما شاء، وتعيس من دخل معه في غمرة صراع مرتديا لباس الشر والحقد على أرض معركة الحياة، حياة نسي لوهلة أن مصيرنا فيها الفناء فأجبره أن يختفي في السراب، يجلس وحيدا حزينا يتذكر حلاوة بداية البداية ويتحسر على خدوش الصفحة البيضاء.