لكنها أنثى!

527

{رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً} [آل عمران:35] قرار جريء من امرأة في زمن كانت خدمة المعبد فيه تكاد تكون حكرا على الذكور-لما تتطلبه من جهد عضلي- ولم يكن من الممكن فيه التنبؤ بجنس الجنين ومع ذلك نذرت.
ما الذي دفع بامرأة مؤمنة أن تخطو خطوة كهاته؟ أكان إيمانها القوي باستجابة الدعاء؛ فهي زوجة عمران نبي الله عليه السلام؟ أم أنها تعمدت ذلك ضاربة بقوانين مجتمعها آنذاك عرض الحائط؟

“مُحَرَّراً” أي غير مملوكٍ ذكرا كان أو أنثى، رجلا أو امرأة؛ فالحرية- بمفهومها الحقيقي التي تُخرج الفرد من وَحْل الشهوات وتجعل منه إنسانا- حق للاثنين على حد سواء. وقد يكون هذا ما أرادته لذلك الجنين مجهول الجنس حينها: الحرية.

لقد علمَت أنه لا خط للرجوع ومع ذلك أقدمت “إِنِّي نَذَرْتُ” بكل ثقة وإصرار ودون مثقال ذرةِ ترددٍ، لاغية احتمال أنه قد يكون أنثى.
لن يكون أنثى؟ لا يمكنها الجزم بذلك؛ فالغيب بيد الله ومع ذلك نذرت، أم أنها أرادت بذلك أن تمحو غبار التقاليد والأعراف من عقلنا وتدفعه للتساؤل: وإن كان أنثى؟

ثم جاءت لحظة المخاض معلنةً عن ولادة جديدة، وما أصعب البدايات، خصوصا إن كانت لحظاتَ تحولٍ فارقة. {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ} [آل عمران: 36]. مخطئ من ظن ولو لوهلة أن التشبيه هنا تعبير عن ضعف وعدم قدرة، إنما هو رفع لسقف التوقعات؛ فلو كان ذكرا لانتهت القصة عند خدمة المعبد، لكنها أنثى إذن لابد من مسؤولية أعظم وتكليف أكبر، لقد تغيرت المعطيات وبات لزاما مواكبة هذا التغيير.
لم يكن من المستحيل عليه سبحانه، وهو الرَّزاق، أن يرزق أرملة بذَكر يشد عضدها ويكون خلفا لوالده في زمن غلبت فيه كفة الفساد، لكنه اختارها أنثى، وفي ذلك إشارة واضحة لا تستدعي الشك أن لرحلة التغيير الطويلة خط بداية لا ولن تخطه إلا أنثى. وإنكار هاته الحقيقة أو تغييبها سبب رئيس فيما آلت إليه أوضاعنا اليوم من تقهقر أخلاقي وتراجع علمي ملحوظ؛ حيث إننا لا نحتاج اليوم لصناعة التكنولوجيا من أجل الخروج من براثن الانحطاط، بل لصناعة ما هو أصعب وأكثر تعقيدا، صناعة الإنسان. هذه الصناعة تحتاج صبرا وقوة واستعدادا للتضحية لا مثيل له، وهُنَّ صِفات جبلت عليها الأنثى، لهذا أوكلها الله مهمة عظيمة كهاته.

عبثا نحاول اليوم لَمَّ شتات الحضارة إن لم يكن ذلك متمحورا حول اللبنة الأساس وهي الأنثى، وأي بناء لم يأخذ في حسابه قوة اللبنة وصلابتها مآله الانهيار.
لقد حسمت حنة الأمر منذ سنين بقولها {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]، مؤكدة بذلك أن الاستثمار الجيد في الذكَر يُنتج فردا صالحا، بينما الاستثمار الجيد في الأنثى يُثمر أفرادا صالحين، وبالتالي مجتمعا مبدؤه: {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم: 32].

حان إذن وقت الانفلات من فخ المقارنة الذي أحدث خللا نجني ثماره المُرة على شكل نماذج وصور قد تكون أي شيء ماعدا التقدم؛ فالأنثى لم تكن يوما عاجزة عن مجاراة الذكر، وما أكثر الإناث اللواتي برزن في مجالات عدة حين أُتيحت لهن نفس الظروف التي لطالما أتيحت للذكور. الفرق يكمن في كونهن أكثر قدرة على القيام بدور أسمى ألا وهو تكوين وبناء الانسان.
إِنَّهَا أُنْثَى تحمِل معنى واحدا لا يقبل التأويل: إنها أقوى، وأي منكر لذلك جاهلٌ، لا يملك من الفهم ما يُؤهله ليستوعب أنه لا وجود للعلم في غياب الإنسان، هذا الإنسان الذي لم يوجد صدفة بل كان نتيجة تعبِ وسهرِ ورعايةِ أنثى.
فإن سألوكَ يوما بتحد عن نظيرة إينشتاين ومثيلة الشافعي؛ فاعذر جهلهم ثم اسألهم بدورك عن نظير أم أينشتاين ومثيل أم الشافعي، حينها فقط سيدركون أنه لا صعب يدوم في حضرة الأنثى.