صراع عروش المسلسلات

319

أصبحت المسلسلات التلفزيونية تشكّل شطرا هاما من الصناعة السينمائية العالمية، بعدما تطورت على مستوى التمثيل والتصوير والإخراج. خصوصا أنها أصبحت تصوّر مشاهد القصص الخيالية المثيرة بتقنيات عالية والتي كانت في الأصل عبارة عن كتب روائية، وغيرها من القصص الواقعية التاريخية.
بفضل العولمة وتطور الوسائل التكنولوجية، أصبحت كل الإنتاجات الإعلامية في يد الصغير قبل الكبير، وعلى جميع الشاشات المتوفرة في غرف المنازل، بجميع أنحاء العالم. وكل هذه الوفرة لاستهلاك أكثر للمنتجات والاشتراكات، في سبيل الترفيه والتسلية.

لكن خلال هذه العشر سنوات الأخيرة، تطورت المسلسلات بشكل خطير، حيث أصبحت أكثر جرأة، بتدسيس مشاهد إباحية محضة في العديد من المسلسلات، الأمريكية منها والإسبانية. وهنا الطامة الكبرى !

فإذا كان الغرب يحلو لهم مشاهدة هذه المواقف، كيف يحق للمشاهد العربي المسلم ذلك ؟
من الواضح والبديهي أن الشاب المسلم ذي المناعة الفكرية الهشة والجهل الكبير بمقاصد الشريعة لن يشاهد فيلما إباحيا خالصا، لكن إذا امتزجت هذه المقاطع الإباحية في قالب مسلسل خيالي أو بوليسي رفيع المستوى، تجده ينساق وراءه مع الأسف الشديد. فتصبح هذه المسلسلات الشغل الشاغل عند الشباب.

أنا لا أنكر هذا الفعل على كل شخص على حدة، فالحرية الفردية حق الفرد في المجتمع وهو المسؤول التام عن أفعاله. لكن الأدهى والأمّر، وما يغيظني هو أن تجد تجمعات الشباب المسلم لا تخلو من الحديث عن هذه المسلسلات الماجنة، ذكورا وإناثا ! كما أنهم يشاركونها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
كل بني آدم خطّاء، وتختلف هذه الأخطاء من فرد لآخر (وخير الخطائين التوابون)، فحتى لو كان المرء مُبتلى، فلا يصح الجهر بذلك، فكما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف: “اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله تعالى وليتب إلى الله تعالى…”

هذه المنتجات السينمائية، أصبحت فيروسا خطيرا ينتشر بسرعة مذهلة وسط الشباب المسلم، فتفتك بقيمه وأخلاقه لتفتح الباب على مصراعيه للمجون والمفاسد.… فكلما توسّع الإنسان في دائرة المباحات، غير مبال ولا مدرك لخطواته، سيتوغّل لا محالة في دائرة المحرمات التي تفسد النفس والمجتمع.

أمام هذا الغزو الإعلامي الفكري اللا أخلاقي، وَجَب إقحام بديلٍ قوي على الساحة السينمائية العالمية، وذاك ما كان : إنه الإنتاج التركي !
أصبحت المسلسلات التركية تحقق نجاحا باهرا وشهرة كبيرة على المستوى العربي والعالمي. كما أن العروض متنوعة من مسلسلات بوليسية، رومانسية وأخرى تاريخية. ولعل من أشهر هذه الفئة الأخيرة المسلسلَين قيامة أرطغرل والسلطان عبد الحميد ! حقق المسلسل قيامة أرطغرل نسبة مشاهدة كبيرة في العالم العربي، وهو مسلسل تاريخي تقع أحداثه بالقرن الثالث عشر.
يستعرض مقدمات تأسيس الدولة العثمانية وسيرة الغازي أرطغرل بن سليمان شاه، قائد قبيلة قايي من أتراك الأوغوز المسلمين ووالد عثمان الأول مؤسس الدولة العثمانية.
أما مسلسل السلطان عبد الحميد، فهو يوثق أبرز الأحداث في الأعوام الثلاثة عشر الأخيرة (1896م-1909) من فترة حكم السلطان، فضلا عن التطورات التي عاشتها الدولة العثمانية إبان حكمه آنذاك.
وبالرغم من أن المسلسل يتطرق لفترة انهيار الدولة العثمانية، فإن هناك مرحلة صعود ضمن تلك الحقبة أيضا، حيث حقق السلطان إنجازات كبيرة في مجالات كثيرة خلال فترة حكمه، لاسيما في المجال الصحي والتعليمي والعسكري.

ما يعجبني كثيرا في مسلسل السلطان عبد الحميد مثلا، هو القيم والأخلاق اللازمة للمسلم القوي الأمين الصالح العزيز، التي يبثها المسلسل في نفس المشاهد. فأين نحن من الشهامة والأمانة والعزة والإخلاص والمروءة (وهي غلبة العقل للشهوة) والغيرة على نساء المسلمين ؟ هذا بالإضافة لمشاهدة الأحداث التاريخية الحقيقية لآخر خلافة إسلامية، وفضح مخططات اليهود والرأسمالية المتوحشة، التي نتخبط فيها حاليا !

هي إذن حرب إعلامية تجارية في ظاهر الأمر، لكن فكرية و أخلاقية في باطنه. حرب لاعتلاء عرش أفضل المسلسلات و الأعمال السينمائية في العالم، لما لها من أرباح مالية ضخمة وسيطرة على المجال السينمائي. فيبقى الرهان على المشاهد المسلم أن يدرك ذاك الخيط الرفيع بين الصالح والطالح من الأعمال، وما له من أضرار وخيمة على نفسه وأمّته.