في الغربة غربات

283

في الغربة حنين، في الغربة شوق وأنين، أنين لذكريات خلت، لوجدان ثبت على القلب وأبى أن يغادر…في الغربة أوجاع تنخر، تزخرف وترمم الجسد العاري من الأرض والقبيلة، في الغربة تصيح ولا أحد يسمعك…أنا! من أنا؟ 
تمضي بك كل الأشياء نحو الوطن، نحو الخبز المحمص كل صباح، نحو كأس الشاي الدافئ كل صباح، نحو الغروب الأخاد، نحو القلوب المشرقة، نحو شمس الصباح المجدة…نحو كل شيء…سواك أنت! في الغربة خلط في المفاهيم …امتزاز للأماكن، وللناس، وللعادات، وللمواقف، وللدموع وللكلام…كل الأشياء تصبح مرادفات على معبر المنطق والفهم والتحليل!

في الغربة يا صديقي يتراجع إدراكك! هل أنت أنتَ؟! أم أنت هو؟! أم أنت هم؟! لأن غربتك امرأة، أضاعت الحساب على خريطتها وأنجبتك أنت، لقيطا بين أجنحتها تبحث عن أب يصعب عليك إيجاده…أبوك هذا يكون قلبك الذي وضعته بين أحضان وطنك وأحبابك هناك!
في الغربة يا صديقي؛ تحضر كل القضايا الكبرى، قضية الهوية، وقضية الانتماء، وقضية المواطنة وأصعبها قضية الموت الذي لا يموت! في كل مرة يتربص بك سيناريو تشييد جنازتك بأرض لا تسعك، فقط لأنك غريب عنها ولأنها لم تنجبك!
في كل مرة تجد نفسك تقاوم، بين ماض تحكمه عادات، ومبادئ وقيم تجدرت فيك، وحاضر تحكمه معالم ثقافة لا صلة لك بها، تقف حائرا ماذا ستختار يا ترى؟! فتكتشف أنك كمن يخط الخط على ورقة بيضاء بقلم أبيض، أجوف ومنسلخ من كل شيء وبدون أية قضية تعتز بها! وبهذا يكون في غربتك فراق قبل اللقاء…تفارق وطنك مهرولا للقاء وطن غيرك الذي أبدا لن يقبل بك!

فكم هو مؤسف وعلى هذا النحو، أن تجد أطرافا تغادر الوطن اليوم نحو بلدان أخرى، نشأت ودرست واشتد عودها في أحشائه، فتنكرت له بحجة أن كفاءاتها لا تحترم! وهذا أكبر خلط في المفاهيم والقناعات، عندما تعمى بصيرتك وتخلط بين الدولة والوطن؛ بين ما اخترته أنت وما اختاره هو! الوطن أرض، وسماء، وتراب، ورياح وهواء أنعشك لسنين حتى اشتد قوامك، لتدير له ظهرك وتمضي كأنك ما وُجدتَ به مرة!

كم هو مستفز كذلك أن تجدهم يغادرون نحو المجهول، محملين بطموحات يهدونها على طبق من ذهب لأرض ما حبلت وتوجعت من أجلهم، بل على العكس! ستأكل منهم وستذكرهم كلما سمحت لها الفرصة؛ بأنهم غرباء ودخلاء!
لكن ومع كل ما سبق ذكره وجب علينا يا صديقي أن ننصف الغربة ولو قليلا، فبفضلها تروض نفسك وتدربها، وتكتشف أقصاك مع كل موقف تتعرض له، تراجع أفكارا، وتكرس مبادئ وتمتحن مدى صلابة كينونتك. في الغربة أيضا رحلة البحث عن الذات بامتياز، تجعلك تصطدم، وتتصارع، وتقاوم، وتثابر وتنجو لتصبح في الأخير نسرا يشكل سربا لوحده!

لكن اعلم يا صديقي، هذا لن يحدث إلا إذا بقيت صبورا متصبرا، ومتشبتا بخلفيتك، معتبرا الغربة مرحلة انتقالية نحو ذاتك الطموحة وليس فرصة لتغيير الغشاء الذي يحتويك، ولا تنس، فأخيرا في الغربة لا تكون سوى أنت!