مواطن الخلل في عقلية الفشل

3٬551

لعل من أكبر مشكلاتنا في المغرب غياب، أو على الأقل، قلة الدراسات الاجتماعية التي تعالج المشاكل الاجتماعية التي يعانيها مجتمعنا، وإبراز دور الثقافة “الشعبية” الجمعية التي تمخّضت عنها هذه المشاكل؛ وذلك أن إدراكنا لواقعنا ينبغي أن يتأسس على دراسات اجتماعية ميدانية علمية متينة، حتى نكون أقرب إلى الفهم الصحيح للظواهر الاجتماعية، ومن تم، التعامل معها بالحكمة اللازمة لعلاجها، أو التقليل من آثارها السلبية في أقل الأحوال.

ولكن هذا لا يمنع شخصا مُتَهمِّما بمشاكل مجتمعه، مجبولا على الملاحظة الدائمة -وإن أتى من ميدان الطب- أنْ ينثُر بعض الملاحظات المتعلقة بما نتفق، في هذا المقال، على تسميته بـ “الإنسان المغربي”، وبنقد بعض التمظهرات الثقافية، والتي، في اعتقادي، لها دور سلبي يُعيق مسيرة النهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في بلادنا. وهي ملاحظات سريعة لا أدعي فيها إلا صدق النية والرغبة المتمحّضة في تجاوزها والتخلص منها، وإلا فهي من المعلوم المشترك الذي قد لا يخفى على أحد.

بدايةً، من الأمانة أن أعترف أنني تهيَّبتُ الكتابة في هذا الموضوع، لا لأن محاولة إخبار الناس، بما هم على علم مسبق به، مغامرةٌ غير محسوبة العواقب، ولكن، أيضا، لأن مثل هذه المواضيع، والتي يمكن اعتبارها من السهل الممتنع، يحار المرء فيها من أين يبدأ؟ لكن لِتكن البداية بأكثر شيء قد يميز الإنسان المغربي، وهو أنه كائن كسول!
نعم، يصعُب قَبول حكمٍ قيميٍّ بهذا الحجم، ويصعُب تعميمه بهذه الشاكلة، لكنَّ القصد ليس قدحا ولا ذما، ولا جلدا للذات، وإنما المقصود أن الإنسان المغربي في الجملة لا يحب العمل، ولا يتفانى فيه، ولا يبدو أنه يؤمن بأهميته بالقدر اللازم. كما يجب بيان أنه ليس مقصوداً، أيضا، أن صفة الكسل خاصية مميزة له، متعلقة به وحده؛ بحيث لا يشاركه فيها غيره من شعوب العالم، فهذا مما يمتنع ادعاؤه، وإنما القصد أنه من الشعوب التي تنتشر فيهم هذه الصفة بشكل واسع، هذه الصفة الذميمة التي جاءت الاستعاذة منها في أدعية النبي عليه الصلاة والسلام، وفي ذلك من الدلالات على قبح هذه الصفة وفداحة آثارها على الإنسان والعمران ما لا يخفى على ذي بصيرة.

إن صفة الكسل هذه ليست بيولوجية بالتأكيد، ولكنها مرتبطة غاية الارتباط بالتربية والتنشئة، وقد صدق المعري إذ قال:
وينشأ ناشئ الفتيان منا ***على ما كان عوّدَهُ أبوه
فالتربية التي يتلقاها الطفل في الأسرة، والتنشئة التي ينشؤها في المدرسة والمجتمع هي ما تعلمه هذا الكسل، وتجعله إنسانا مراوغا، يحسن اللفَّ والدوران، متحايلا عن أداء واجبه، بل وتجعل أداء هذا التحايل بشكل احترافي، والنجاح فيه من العلامات التي تدل على نباهة المرء ونبوغه. وهذه الثقافة المعطوبة تظهر حتى في تعبيراتنا الدارجة. لِـنتأمَّلْ في قولهم، تعليقا على إنسان ناجح في عمله أو وظيفته أو مجال تخصصه: “صْدْقاتْ لِـيهْ”، فمثل هذه العبارات ترسخ في لاوعي الإنسان الذي يتلقاها بشكل مستمر قناعةً مفادها: أن النجاح صدفة، وأن الناجح لم يفعل شيئا يقتضي حتما نجاحه، وإنما نجاحه شيء عرَضي صُدَفي غير معلل بأسباب معقولة مبنية على الكد والعمل الجاد والرغبة الجامحة في الشيء.
وبسبب هذه الثقافة، ترسخ لدى الكثير منا أن الناجح منا، إذا نجح فلأسباب خارجية: وساطة، استغلال النفوذ، قرابة، أو دفع الرشاوي. وهذا وإن كان يحدث في الواقع، فلا يصح أن نعممه ونجعله أصلا؛ بحيث حيثما وُجد ناجح فلأسباب غير أخلاقية! ومن شأن انتشار هذه الثقافة أن يصبح النجاح نفسه أمرا مرغوبا عنه؛ لأنه سيؤدي إلى التشكيك في النزاهة الأخلاقية للشخص.
ولا يتوقف عطب ثقافتنا في التربية على الكسل فقط، ولكن يتجاوز ذلك إلى التربية على الخوف أيضا، فإنه من المشهور المعلوم أن مجتمعنا لا يزال يوظف أساليب ترهيبية في تربية الأطفال والناشئة، من صفع وركل ولطم وغيرها من الأساليب العنيفة، والتي تنتشر خاصة بين الأمهات، باعتبارهن أكثر احتكاكا وقربا من الأطفال؛ وهذا كله يربي في الطفل شعور الخوف، هذا الخوف لا يبقى حبيس الأسرة فقط، بل ينتقل منها إلى المجتمع بعامة؛ حيث إن المرء لا يستطيع أن يعبر عن رأي شخصي مستقل في قضية من قضايا الرأي العام، أو السياسة، دون أن يخشى أن يسبب له ذلك تهديدا إنْ في وجوده المادي أو المعنوي والرمزي.

مقالات مرتبطة

في كتابه “فكر تصبح غنيا”، يخلص نابليون هيل -من خلال عشرات التجارب التي قام بها، واللقاءات التي جمعته بالشخصيات الناجحة في المجتمع الأمريكي- إلى أن التغلب على الخوف هو الخطوة الأهم في سبيل تحقيق النجاح؛ فلا يمكن للشخص أن ينجح والخوف يتملكه من كل جانب، ولعل من أهم أنواع الخوف المانعة من النجاح هو الخوف من الفشل نفسه.
والخوف من الفشل في مجتمعنا أكثر حدة؛ لأن الفشل في ثقافتنا يساوي الفضيحة/الشوهة. في حين أنه، في حقيقة الأمر، ليس إلا عدم النجاح في تحقيق ما كان المرء يرنو إليه. وبانتشار ثقافة الخوف من الفضيحة، يكون مجتمعنا، حقا، غيرَ مشجع على المبادرة، وهذا يفسر أن كثيرا ممن لم يوفقوا في تحقيق هدف معين حاولوا تحقيقه، لا يتحسرون فقط على عدم تحقيقهم لأهدافهم، وإنما يتحسرون على أنهم حاولوا ذلك أيضا! وهذا عطب في الفكر والثقافة خطير، يجب أن يواجه ويعالج.
إن الأصل الذي لا ينبغي غيره هو أن يُـحفَّز الناجحون، ويُشجعوا؛ لأنهم عامل بشري مهم، ولأنهم قدوات لغيرهم، ولكن الناجح عندنا، ومن أسف، لا يجد لنجاحه أي صدى من المجتمع أو المقربين في كثير الأحيان. هذا، إن لم يحاولوا تحطيمه، والتنقيص من إنجازه. ودورنا، نحن الجيل الجديد، أن نعمل على التغلب على سلبيات هذه الثقافة، ونشر ثقافة بديلة، تُعِـين المبادرين على النجاح، وتقدِّر عمل المجتهدين، وتَـنشر الأمل في أواسط الذين لم يحالفهم النجاح، ليحاولوا مرة أخرى.

في الواقع، علينا أن نُعلّم الناس أن تشجيع الآخرين لن يَنقصهم شيئا، وأن نقنعهم بأن ذواتهم مستقلة عن الآخرين. فليس يلزم من نجاح الآخرين تراجع أهميتنا ودرونا نحن. فتشجيعنا لهم، إذن لم تكن له فائدة للآخرين، فبالقطع لن يضر بمكانتنا ومصالحنا شيئا. بل الأمر بخلاف هذا الوهم، تشجيع الآخرين يدفعهم إلى تحقيق المزيد من النجاحات، وكلما كثرت نسبة الناجحين بيننا كنا أقرب أن تتحسن أوضاعنا، وأن تقلَّ تحدياتنا ومشاكلنا؛ لأن العامل البشري والرأسمال اللامادي في أعلى درجات الأهمية لتطور البلدان.

ومن المشاكل التي لا تخلو من طرافة، والتي يواجهها الإنسان المغربي مشكلة الانتماء، وقد يكون المغربُ البلدَ الوحيد، على مستوى العالم، الذي يعاني من هذا المشكل؛ فالمغاربة لا يعتبرون أنفسهم من عرب الشرق؛ لأن معظم ساكنة المغرب إما أمازيغ أو من أصول أمازيغية، ولا هم يعتبرون أنفسهم أفارقة؛ لأن بشرتهم ليست بسوداء، ولذلك تواضعوا على وصف كل ذي بشرة سوداء بـ “إفريقي”، وكأنهم ينتمون إلى قارة أخرى؛ ولا هم منتمون إلى شمال أفريقيا، بسبب الخلافات السياسية مع دول المنطقة، ولا هم غير ذلك! وإن كان المغرب، في الواقع، أصبح يميل أكثر إلى حسم هذا الأمر، بعد عودته إلى الاتحاد الإفريقي، وتركيزه في سياسته الخارجية على دول القارة الأفريقية، مع أن الثقافة الشعبية لم تستوعب هذا بعدُ بالشكل الكافي، وتحسم في الانتماء، ليصبح البعد الإفريقي جزءا لا يتجزأ من هوية الإنسان المغربي.

إن هذا الشعور بعدم الانتماء هو ما أدى بنا إلى العزلة عن باقي الدول، ولذلك تجد أن الإنسان المغربي قلَّ ما يسافر، وإذا سافر لا يسافر إلى دول المنطقة، مع أنها قد تكون أقل تكلفة بالمقارنة مع غيرها؛ فهو غالبا ما يختار دولا أوربية أو أسيوية أو تركيا أو غيرها، مع أن دولة مثل الجزائر مثلا، أقرب وأولى باعتبار المشتركات الكثيرة بيننا وبينهم. إن هذا الانعزال هو ما يجعل الإنسان المغربي يختلق بعض الأوهام من مثل أن “المغرب أجمل بلد في العالم”، ولا يمكن أن يكون إلا كذلك عند مَن لم يخرج من حيه الذي وُلد فيه؛ لأنه لم يرَ غيره ولم يزره. وأوصاف: الأفضل والأجمل والأحسن لا تكون بالتمني، ولكن بالإحصائيات والأرقام التي تبين مستوى البطالة والأمية ومستوى العيش وغيرها، وهي للأسف الشديد لا تساعد على نسج هذه الخيالات حول بلدنا، الذي نرجو له كل خير، من غير ما شك. لكن، يجب أن لا نختلق الأوهام المريحة، ونتغاضى عن الحقائق المزعجة.