من الرباط إلى واشنطن

معاني من أمريكا

215

كنت قد وضعت هدفا أن أغادر أرض الوطن قبل أن أبلغ الثلاثين من عمري دون أن أحدد الوجهة.. فقط أردت أن أتجاوز الحدود التي كبلتنا لسنوات وجعلتنا أحاديي النظرة وضيقي الرؤية، أردت فقط أن أستيقظ صباحا خارج الدائرة التي رسمتها لنفسي حتى أستشعر نقطها واحدة واحدة.
كنت أتصفح حائطي الفيسبوكي فوجدت برنامجا للتبادل المهني في الولايات المتحدة الأمريكية كامل الدفع، فقلت لعلها هي.. فرصتي لتحقيق الهدف.

مرحبا بك في أمريكا ! نعم يا صديق، يمكنك أن تسافر وتتعلم وتتدرب لمدة ستة أسابيع إن ملأت استمارة قد تأخذ منك ساعة واحدة ! هذا ما فعلت! تم اختياري رفقة ثمان شباب مغاربة متميزين ليس في مجالات اختصاصهم بلدفي مشاركاتهم الفعالة في المجتمع المدني، فانتبه يا صديق.. أين تمضي وقت فراغك ؟ 

بعد رحلة طويلة قطعنا فيها المحيط الأطلسي عرضا وصلنا إلى المحطة الأولى : ولاية ماساشوستس، آمهرست (الولاية العلمية لأمريكا)، غدا سيبدأ البرنامج، لا مكان هنا للراحة، الأسبوع الأول كان مليئا بالورشات والتكاوين واللقاء بأساتذة جامعيين القاسم المشترك بينهم تواضعهم وعلمهم، تعلمت منهم الكثير.. 

 

جامعة ماساشوستس – University of Massachusetts

زرت جامعة ماساشوستس التي تخرج منها سنة 2018 30.593 طالب في مختلف التخصصات، دخلت مكتبتها ذات أكبر بناية لمكتبة في أمريكا دون أخذ إذن من أحد، عدد هائل من المجلدات والأبحاث العلمية في رفوفها من الفن الى الطب، يصل ثمن الأسدس الواحد هنا إلى 30 مليون سنتيم ! الدراسة هنا استثمار، هذه هي عقلية الطالب في أمريكا ! بعد ذلك تم استقبالنا في جامعة سبرينغ فيلد التقنية للمشاركة في يوم احتفالي بنوادي الجامعة النشيطة في المقاولات الاجتماعية ولتبادل الخبرات من خلال عرض المشاريع التي نشتغل عليها في المغرب ! كل ارتسامات مسؤولي الجامعة كانت إيجابية وهم يتساءلون: كيف فعلتم كل هذا وأنتم لم تتجاوزوا الثلاثين بعد؟ حقيقة أن الشباب المغربي على المستوى الفردي متميز كثيرا لكن على المستوى الجماعي سرعان ما يتبخر هذا التميز على نظير الشباب الأمريكي الذي يتميز بانضباط على المستوى الجماعي.

في اليوم الموالي توجهنا إلى غابة بضواحي مدينة آمهرست الهادئة ذات الطبيعة الأخاذة لنتعلم فن القيادة كما لم نفعل من قبل، “ألعاب بناء الفريق”. يوم واحد راجعت فيه كل ما قرأته نظريا عن فن القيادة فتعلمت أن القيادة هي أن تساعد فريقك دون أن تظهر، أن تسكت عندما يتوجب ذلك لينتصر فريقك، أن تثق في قرارت من يأخذ المبادرة، أن تضحي لكي ينجح الآخرون، أن تضع خطة توافق قدرات فريقك قبل أن تبدأ التنفيذ، اكتشفت آنذاك أن هذا الفن لا يرسمه إلا من تغلب على كبر نفسه (أنا خير منه) فلا امتحان لفن قيادتك إلا إذا اشتغلت مع قادة مثلك !

 

برنامج بناء الفريق أشرفت عليه أمريكية أكثر من عشرين سنة وهي تكون أكثر من 500 طالب سنويا من مختلف الجامعات الأمريكية، جعلت الغابة مسكنها ومقر عملها. 

خمسة أيام مضت.. وكأنها خمسين يوما، بهذا نكون قد أسدلنا الستار عن الأسبوع الأول من البرنامج.
المحطة المقبلة.. واشنطن.