غيروا المحطات لو صادفتكم قصصهم عن الحب!

215

“الحب” هكذا أتصور الأمر دائما: كلمة ثم نقطة تليها الكثير من الحيوات! تلك الحيوات التي يبدع كل منا في كتابة أسطرها بطرق أعقد من أن تمليها عبارات تختزل تجارب الغير في تعريفهم للحب. أذكر أنهم علمونا -ونحن صغار على حصير المسيد- شيئا عن حب الله؛ أخبرونا أنه الأفضل وكذلك كان.
على مقاعد الدراسة حدثونا عن شيء من حب العلم وحب الوطن، وفي نصوص الشعر دسوا لنا قصصا عن حب عذري…كانوا دائما يضعون أمامنا بعضا من ملامح أشياء قد لا نفلح جميعا في إكمال فراغاتها أو التفريق بين تلاوينها.

مهما طوع أهل العشق صنعة الحرف، يبقى تدقيق المعنى منفلتا عصيا، وتزيد الأشياء غموضا ونحن نقارن بين الزائف منه والحقيقي تبعا لما تبادر إلى ذهني وأنا أستمع عن غير رغبة لقصص لا تعنيني على الراديو كلما كنت متوجهة إلى عملي…وكم كان الراحل أنيس منصور دقيقا حين قال: “الحب الحقيقي كالأشباح…كثيرون يتكلمون عنه، وقليلون منهم رأوه”. لم أفلح بعد في التموضع بين الطائفتين: فلا أنا أكثرت الحديث عنه، ولا أنا من القلة التي رأته، لكنني أدمن الاستماع وأجد فيه ما يغني عن مراكمة الخيبات…

لا أعرف متى أخطأت الزمن وكم من القصص فاتتني حتى أصبح من العادي جدا أن يتحدث الناس عن خياناتهم، حيرتهم بين أكثر من شخص، نزواتهم المغلفة بوهم سحر النظرة الأولى وغيرها من المسميات التي لن تفلح رغم كل شيء من إطفاء وهج ذلك المسمى “حب”. ولعل أكبر خطأ يُضَيع على الكثيرين متعة الوقوع في حب الأشياء أو الأشخاص أو الأفكار، هو اعتقادنا أن الأمر فطري وأن الحب مختزل في رجل وامرأة… والأجدر قولا أنه أكثر الأمور اكتسابا، وأن حب الطرف الآخر يأتي بعد مراكمة التجارب في حب الذات والله والاهتمامات التي قد تشكل نقاط التقاط مع طرف آخر قد يأتي وقد لا يأتي… وكل الإشكال في هذه الاحتمالية التي تخيف الأغلبية من فكرة الانتظار لتذوق لون من ألوان الحب الذي يجمع شخصين بطريقة توهم البعض أن غيره من الحب لا يستقيم، وكم تختزل عبارات السخرية من شخص يخبرنا أنه يحب الطبيعة أو الكتب أو السفر أو غير ذلك مفهومنا عن الحب الذي يفسر كثيرا الأشياء التي تدفع الناس “للتورط” بدل “التذوق” من هذا الكأس. فلندع باقي أصناف الحب جانبا حتى فرصة كتابة قادمة، ولنطرح السؤال بصيغة ما!

ألا يستحق هذا الجيل شيئا من التأطير في الحب كما التربية الجنسية بدل تسول المشورة على أثير الإذاعات ومجموعات مواقع التواصل؟ أيهما أفضل: أن يوشوش غريق لغريق بعبارات من قبيل هذا ما يحبه الرجل في جسد المرأة، أو القول بأنه في الحب الحقيقي الروح هي التي تحتضن الجسد بعبارة نيتشه. هناك دائما ثنائية تناغم حين تطوع الروح الجسد، لكن الجسد قاصر على تطويع الروح حين يُغفل عدد كبير من الساخرين هذه التراتبية التي تصنع الفارق بين لقاء مبني على الغريزة، ولقاء لا يغيب الغريزة…كان بوسعي أن أخبر تلك الشابة التي تستغرب على الأثير أين ذهب حب ما قبل الارتباط بعد أن تحول الزوج إلى مزاجي ظالم أن: “الحب الحقيقي لا يتأثر بسوء المزاج، فمن يحبك يحبك في كل حالاته” كما يقول يوهانس كيبلر بكل بساطة ممكنة، بدل تعقيدات المتصلين التي ينصح بعضها بالابتعاد، أو التقرب أكثر للتشخيص وتحمل الأذى.

أما معشر المتذمرين من الخيانات المتسائلين عما بوسعهم فعله، لضمان ‘بقاء الحبيب’، المعولين على نصائح السطحيين من قبيل ‘تزيني له’، ’10 نصائح تجعله لا يفكر في غيرك’…يغيب عنهم في الغالب أن: “الحب الحقيقي دائما ما يخلق رجلا أفضل بصرف النظر عن المرأة التي يحبها” كما تقول عبارة الروائي الفرنسي ألكسندر دوما، هذه العبارة التي تختزل جوهر ما يغفله ‘المحبون المتظلمون’ في كون المشكلة ترتبط بشبهة ‘زيف الحب من حقيقته’، ومبادرة الرجل الذي يمكنه أن يتغير إلى الأفضل حتى لو كان الطرف المقابل ‘لا يستحق’ وفق ميزان الطرف الثالث المراقب في فضول، الذي يتساءل دائما عن سر التوليفة بين ما يعتقده متناقضات، غافلا أن في الحب شيء من المنطق واللامنطق!

صراحة لا يغريني الحديث عن الحب في شقه المتعلق بشخصين، لأنني أعتبره تحصيلا لما راكمه كل شخص في فصول الحب الأخرى التي تنحت معالم شخصياتنا المتطلعة في مرحلة لاحقة لتتويج هذا المفهوم بلقاء ذات أخرى تحمل من التعقيدات والتجارب والأسرار ما يجذبنا لها تحت اسم الحب… لكن ما أثار انتباهي هو طرق الباب الخطأ لطلب النصيحة، واستسهال الظاهرة باعتبارها تخص بعضا من المراهقين، أو فضفضة شباب على مواقع التواصل…إلى جانب تسويق الأمر من خلال تكراره وكأنه طبيعي أن ينشر الشخص أسراره، أو يحايل خيانات الآخر، أو يبادله الخيانة بأخرى، أو يستمر شخصين في علاقة زواج ثقيلة من أجل الأبناء أو إصلاح ما لا يصلح… مستصغرين الأمر تحت مسمى ‘مشاكل عاطفية’ والتي ينظر لها الأغلبية كحكايات ثانوية، غافلين أنها انعكاس لمشاكل داخلية تحتاج لبعض التسوية… أكيد أن كل التسويات تتخللها محطات صعبة ومعقدة، والأمر حين يتعلق بالذات يستحق تجربة الوصفة بعد الأخرى، فبعض الفشل العاطفي يكشف خصاما مع الذات التي آن التصالح معها، وبعض الفشل يكشف تسرعا حان وقت التراجع عنه بدل التوغل في المزيد من التورط.

وأهم نصيحة كانت ستعفيني من الكتابة عن الموضوع: غيروا المحطات لو صادفتكم برامج ‘الغراميات البكائية’ أو برامج لا تروقكم، فنحن بحاجة لجرعة حب مغلفة بطاقة إيجابية تسعفنا على إكمال يومياتنا المثقلة بالواجبات…حتى لو كانت جرعة كاذبة من سطر رواية.