قروية وسعيدة

183

قروية…وسعيدة كثيرا ما كنت أفكر في معنى السعادة، وغالبا ما كنت أستغل كل فرصة سانحة لأسأل وأبحث وأتقصى حول هذا المفهوم الغامض؛ لذا ما إن وجدت نفسي هنا، أبحث عن موضوع أكتب عنه لموقع “معاني”، حتى تبادرت إلى ذهني معاني السعادة.

أجل السعادة، كم هو مصطلح ثقيل الوزن، مبهم المعنى، ومختلف التأويلات. يراه كل منا من زاويته و يفسره حسب مبادئه و قناعاته، ومهما اختلفت الزوايا والتأويلات والمبادئ تبقى السعادة بدون أدنى شك مطلبنا جميعا في الحياة، مطلبنا المستحيل على ما يبدو…فأنا بنفسي لم يسبق لي في حياتي أن التقيت بشخص سعيد. دائما ما ألتقي بأشخاص تعساء سئموا الحياة بما فيها، وأصبحوا يعتبرونها صفقة هم أكبر الخاسرين فيها، أو أنني ألتقي أحيانا بأشخاص “سعداء ولكن”: سعيد ولكنني عاطل عن العمل، سعيد ولكنني مريض، سعيد ولكنني فقير، سعيدة ولكنني لست جميلة، سعيد ولكنني سمين، سعيدة ولكنني قصيرة أو طويلة أو أيا كان؛ فدائما ما يبطل هذا ال”ولكن” مفعول السعادة قبله، “ربما نضيفه -على الأغلب- درءا للعين”، أو خوفا مما قد تسببه لنا السعادة من مشاكل.

ويظهر هذا جليا في ثقافتنا، فنقول: “الله اخرج هذا الضحك بخير”؛ أي أننا نخشى السعادة بالفعل مع أننا نريدها. وهنا يكمن التناقض وتكمن الغرابة أيضا، فمع أننا نبحث عن السعادة إلا أنها تخيفنا، أم أن هذه الخشية ما هي إلا عذر اختلقناه لتبرير عدم تمكننا من إدراك السعادة؟ أهي حقا صعبة المنال لهذه الدرجة؟ وهل علينا أن ندفع أعمارنا ثمنا لبلوغها إن بلَغناها؟ من خلال تجربتي كشابة قروية…وسعيدة، أقول لا، السعادة ليست صعبة المنال، فقد بلغتها مرات ومرات، وفي ما يلي سأقدم لكم بعض اللمحات عن السعادة بالنسبة لي، لعلهت تُلهمكم لتجدوا السعادة أنتم بدوركم.

إن السعادة بالنسبة لي هي أن أستيقظ صباحا وأجد أن قريتنا قد زُودت بالماء الشروب، وأنه لن يكون عليَّ بعد اليوم أن أسير كيلومترات وكيلومترات لأجلب الماء قبل الذهاب إلى المدرسة. السعادة بالنسبة لي هي حينما قرر أبي أن يدعني لأكمل دراستي وألا أنقطع كباقي فتيات قريتنا، بل إنني أجد السعادة في أشياء أبسط من هذه. أجدها في زقزقة العصافير كل صباح، في رائحة الشجر والزرع والتربة بعد المطر، في الابتسامة المتجعدة للعجوز البكماء “آباه” بائعة الخبز، في تحية عمي عبد الكبير عطار القرية حين نلتقي وأنا في طريقي إلى المدرسة، في ضحكات أهل القرية وسذاجتهم حينما يتبادلون الأخبار…السعادة بالنسبة لي هي أن أسمع ضحكة أبي وصوت أمي في المنزل فأعلم أنني بأمان، هي أن أتجول في قريتنا دون أن أخاف فالجميع هنا عائلتي.

السعادة بالنسبة لي أن أستطيع القراءة والكتابة والبعض لا يستطيعون تهجئة أسمائهم، هي أن أتذمر كل يوم بسبب الطريق الطويل الموحل إلى المدرسة والبعض قد انقطع. السعادة هي أن أكون أنا، أن أستيقظ كل يوم بينما لم يستطع البعض فعل ذلك، هي أن أسمع صوت الديك صباحا إشارة إلى أن وقت النهوض قد حان، بينما البعض يستيقظون على صوت منبه مزعج (أمزح فقط). مقصدي هنا، هو أن السعادة غير مرتبطة بمكان عيشي، أو بظروفي، أو حتى بالمنبه الذي يوقظني. السعادة مفهوم أعمق بكثير من أن يكون مرتبطا بمادة أو بشخص أو بمكان.

السعادة مرتبطة بنا -نحن-، بكيفية رؤيتنا للأشياء، مرتبطة بأرواحنا، فنحن جميعا لدينا نفس القدر من السعادة. وكوننا سعداء أو تعساء أو حتى “سعداء ولكن”، غير مرتبط بظروفنا بل بطريقة تعاملنا مع هذه الظروف، أو بالأحرى بالزاوية التي اخترنا أن نرى منها الأشياء، وكلما أخذنا الأمور ببساطة وحاولنا رؤية الجانب المشرق، حققنا السلام الداخلي و الاطمئنان، وبالتالي السعادة.

خلاصة القول: إننا اليوم في عصر السرعة، صارت الحياة تركض بنا لدرجة أننا لم نعد نجد وقتا للحياة، وقتا لاستشعار كل ما هو مسعد ومبهج حولنا. نحن نستهلك طاقتنا وأيامنا وحياتنا في أشياء لا تستحق، وندفع أعمارنا ثمنا للسير في دروب قد توصلنا للسعادة وقد لا تفعل، مع أننا لو التفتنا قليلا لوجدنا أن السعادة تسير معنا في نفس الدرب.