وإذا الحلم سئل، بأي ذنب قتل؟!

311

يولد الإنسان وهو يحمل داخله آلاف الأحلام والأماني، يتبناها ويشعرها بالدفء كلما مر طيفها بخياله، يمني نفسَه دائما أنه سيحملها إلى الواقع يوما، وسيعيش لحظات السعادة القصوى وهو يراها تتجسد أمام ناظريه، ويستشعر وجودها بكلتا يديه.

يكبر الحلم يوما بعد يوم، وكفرحة أم بوليدها مع ألم المخاض، كانت فرحتي تلوح في الأفق وأنا أضع خطواتي الأولى في رحلة الألف ميل التي طالما حلمت بها، لطالما عشت ليالي بطولها أتخيل فيها نفسي وأنا أجوب بوزرتي البيضاء غرف أولئك الذين أخذ منهم السقم والمرض ما أخذ، وأنهك روحهم بياض غرف خالية إلا من آهات الألم، ورائحة الموت التي تعم المكان.

لم أفكر يوما أن واقعا كهذا سيلمع بخبث آخر النفق، وأن يدا ستغتال حلمي الصغير قبل أن أحظى بعناق طويل معه، قبل أن أنال منه نصيبا وافرا يليق بجمال الحلم وعظمته وبنبله. وأنا أجلس داخل المعتصم تذكرت بمرارة تلك الأيام التي حرمت فيها نفسي من كل شيء، حرمت فيها النظر إلى وجه أمي الكريم، والصباحات التي تعطرها رائحة القهوة والخبز الساخن.


كنت أستيقظ كل صباح لأسابق الحظ والنصيب إلى معبدي؛ حيث أعتكف الساعات الطوال لأنال لنفسي مقعدا داخل كلية الطب، وأنا أطرد كل يوم شبح الفساد والجور الذي يطال داخل موطني كل شيء، والخوف من أن يسرق أحدهم حلمي باسم السلطان ويطردني للريح تنهش ما بقي في نفسي من أمل، وترديني صريعا نحو مستقبل مجهول المعالم، مبعثر الحروف مبتورها.

كنت كل يوم أبتهل إلى الله أن يحقق حلم أمي قبل أن يكون حلمي، وهي التي أفنت شبابها وشيبها وأجلت كل شيء في سبيل أن تراني يوما ألقي “قسم أبي قراط”، وأعاهد الله أمامها أن لا أخون هذا الوطن، أن لا أخون هذا الميثاق الغليظ، أن لا أخون عهدا أقسمت فيه بجلال الله وعظمته. فأمي تحلم بوزرتي البيضاء أكثر من حلمها بفستاني الأبيض، لا رغبة لها في أن تزفني إلى عريس قبل أن تزفني إلى المكان الذي أكون فيه ملاكا للرحمة، وترفع فيه الأكف بالدعاء لي بأن يجعلني الله بلسما حيثما حللت. وأنا داخل المعتصم، تذكرت أنني لم أعِ قبل يومي هذا ما معنى أن تتنكر لذاتك وتلتحف الأرض، وتتحول من مجرد طالب همه امتحاناته إلى مناضل يحمل هم قضيته داخل رئتيه، فيتنفس الصعداء كلما سمع رفاق الدرب يرددون: “صامدون صامدون درب النضال نحن عليه سائرون” ، ويلتحمون قطعة واحدة كما لم يفعلوا من قبل، وتذوب فوارقهم، وينغمس جلهم في نداء الواجب داخلهم؛ لأنهم علموا أن الحق في هذا الوطن يسلب، ولا يعطى!