رمضان واحد واختيارات عدة

226

هل أصبح هذا الشهر أقرب للحياد؟ خافتاً بوهج الأضواء والأطباق الشهية والأثواب الفاخرة. هل أصبح مفهومه مقتصراً على انتظار أذان المغرب لإشباع الشهوات أكثر من انتظار سكينة ليل، ودعاء من القلب، في حضرة رب لا ينسى عباده؟ أصوات ضاحكة مستهترة، والمصحف هادئ بزاوية منسية، لا يظهر للعيان سوى وقت الأقراح.

هل اعتدنا على ذكر الله عند الشدائد، والاحتفال مع الناس وقت الرخاء؟ بئس التعود ونحن إلى فناء! لطالما سمعنا بأن هذا الشهر فرصة للتعايش أكثر، فرصة للعطاء، والرحمة والاجتهاد في السمو بالذات التي كدرتها المادة والسنين المعتمة، سمعنا بأنه ملاذ للمرء حين يشعر أنه بين أنياب الدنيا وقسوة المسؤوليات، إنه فرصة لنرى أهلنا أكثر بعد أن صرنا عبيداً للوهم. ببالغ الأسف نرى هذا الشهر فرصة للتباهي فقط.. فالطاولة أهم من الأرض التي تشهد على سجودك، الثوب أهم من المحراب، والوجه عابس عند الظهيرة، كأن الإنسان يلحق المّن بصومه فلا يلحق بنفسه غير الأذى، ربك غنيّ عن عباده، ونحن إليه أحوج!

إنه ليجدر بالإنسان أن يفرح، فالله أمد بعمره ليعيش فرصة غفران جديدة. لنخلص الدعاء لتلحق بهذه العبادة بركة وأجر، كما قال الإمام أحمد بن عطاء الله السكندري رحمه الله: “رب عمر اتسعت آماده وقلت أمداده، ورب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده، فمن بورك له في عمره أدرك في يسير من الزمن من منن الله تعالى ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الإشارة”.

أما عن الانتقادات اللاذعة والأحكام المسبقة فإنه لا يكاد يخلو منها يوم، فنسمع اتهامات بالنفاق تجاه من يصلي برمضان فقط أو من ينتهج طريقاً نحو الورع لأول مرة. يا له من تطفل تغلغل في نفس خبيثة! لقد أغفل المرء نفسه وأهملها لدرجة أن يعيش على أخطاء الآخر، يوجهه وهو عن الصواب أبعد، تلك خيبة كبرى بحق، أن يمضي شهر رمضان وأنت في تراجع روحي وأخلاقي مميت، فتكون بذلك ممن قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رب صائم ليس له حظ من صومه إلا الجوع والعطش”.

لقد حان الوقت لتغيير فكر عقيم يحكم على الآخر، ربما كان له بصلاته خير بداية، وكان لك بسوء ظنك شر خاتمة. لكل الناس أهداف على اختلاف أعراقهم وانتماءاتهم، وللمسلمين المؤمنين في شهر رمضان خير الأهداف، فلا إسراف في الأكل ولا في الغضب ولا في المظاهر البراقة، هناك هجر للهواتف واللغو، خطوات نحو المساجد وقلوب إلى الله. تلك الأهداف لا يجب أن تنطفىء بحلول العيد، هي رسالة ربانية كل سنة لبداية أجمل.