حببوا أبناءكم في رمضان

269

لكل واحد منا ذكريات مع شهر رمضان، ذكريات طبعت علاقته بهذا الشهر الكريم، فنسجت أحاسيسه وانطباعاته التي تتحرك بمجرد اقترابه أو الإعلان عن بروز هلاله…
منذ سنوات خلت، كان من البديهي أن يفرح الناس والأطفال بقدوم رمضان، رائحة الحلويات والمأكولات التي يتم تحضيرها لاستقبال هذا الشهر، صلة الرحم والمباركات التي تتلقاها الأسرة بهذه المناسبة، الإعلان عنه في أجواء مميزة باستعمال آلات موسيقية وترانيم خاصة بهذا الشهر، والحركة غير العادية في الأحياء، وتنافس الأطفال على الصيام، ومائدة الإفطار التي يجتمع عليها الصغير والكبير، وصلاة التراويح في مسجد الحي، ولقاء الجيران والأصدقاء ليلا، ولمة السحور، وتقاليد أول يوم صيام، وتقاليد ليلة السابع والعشرين وكسوة العيد…كلها طقوس كانت تجعل من رمضان شهرا لا يمكن إلا أن تحبه وتعشق ذلك التغيير الذي يحدث في نمط حياتك، حتى قبل أن تفهم المعاني والمغزى من صيامه وقيامه.

أما وقد أصبحنا نعيش منعزلين عن محيطنا، وبردت العلاقة بين الجيران، وخلت الأحياء من كل روح، واقتصرنا على الرسائل الإلكترونية في المباركات، ونال عصر السرعة من لحظات الفطور، وتبددت لمة السحور…أصبح لزاما علينا كآباء أن نخلق أجواء وذكريات جميلة تجعل من هذا الشهر شهرا مميزا لدى أطفالنا، بل ولدينا نحن الكبار كذلك، حتى لا يفقد رمضان تلك الشعلة في قلوبنا…

أذكر أنه قبل بضع سنوات، قدر الله أن وقع حادث مؤلم تزامن مع شهر رمضان، أثر ذلك الحادث في نفسيتي كثيرا آنذاك، ومع أني تجاوزت ذلك الحزن، لكنه كان يأبى إلا أن يزورني بشكل لا إرادي بمجرد حلول شهر رمضان المبارك خلال السنوات التي تلت، فيعكر مزاجي في تلك اللحظة…أستطيع أن أتغلب على ذلك الإحساس وأتجاوز تلك الحالة الكئيبة، ليقيني التام بأن رمضان بريء من تلك الظروف ووعيي بالأثر النفسي السلبي الذي خلفته وكيف استطاعت أن تتفوق على ما سبقها من ذكريات جميلة.

إن الذكريات تؤثر بشكل كبير في علاقتنا بالأشياء، والأشخاص والأماكن وحتى الأزمان…فمن المؤكد أن من عاش أحداثا سعيدة في منزل أو مكان ما، تجده يحن إليه ويسكن إليه عند زيارته له، ومن قست عليه الحياة خلال فترة من الزمن، تجد قلبه ينقبض إذا ما مر بخاطره ذكرى عن تلك الفترة…
إن الزينات التي قد يضعها الآباء في البيت استقبالا لشهر رمضان أو أي مظاهر أخرى من مظاهر الاحتفال بقدوم هذا الشهر الجليل، كشراء الحلوى أو إقامة حفلة مع الأصدقاء والعائلة، لا تنقص رمضان شيئا من قدسيته، ولكنها ترسخ ذكريات جميلة وشعورا إيجابيا تجاه هذا الشهر الكريم خاصة بالنسبة للأطفال في سن مبكر حيث يصعب عليهم استيعاب قدسية الشهر وفضله علينا.

من يحرص على تحبيب رمضان في قلب أبنائه، من المهم أن يحرص على ذلك في تصرفاته، فيكون هينا لينا في هذا الشهر، ويجعله شهر رحمة مع أطفاله، فيغفر ما سبق ويسامح زلة قد تقع، فلا مكان للتوبيخ والعقوبة في رمضان فهو شهر الرحمة، ولا مكان للغضب والصراخ في رمضان، وأخبروا أبناءكم أنكم أكثر تسامحا وسكينة بفضل رمضان، ولا مكان للتذمر من إعداد طعام الإفطار، بل أشركوا أبناءكم فيه وعلموهم أن من فطر صائما كان له مثل أجره.

لنحرص ألا نجعل عباداتنا مرتبطة بالحزن والانكسار، بل يمكن أن نتبعها باللعب والمرح مع الأبناء، ولنشركهم في أعمال الخير كإفطار الصائم أو الصدقة، فإن أثرها النفسي كبير على الصغير والكبير، ولنحافظ على الجميل من تقاليدنا فهي ترسخ الهوية وتحفر الذكريات الجميلة..
كلامنا هنا عن رمضان، ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فمن أراد أن يحبب طفله في قيمة أو شخص أو مكان أو حدث ما، فلن يجد وسيلة أفضل من الحب والمشاعر الجميلة الرقيقة.