محب للسفر، كاره للرحيل

1٬213

في كل تجربة سفر تخوضها، تجد أن هناك شيئا مختلفا عن كل الأشياء التي عشتها في ذلك السفر، هو الذي يَعْلَقُ بذهنك، ولا تنساه بمرور السنوات؛ ذلك أنه، دون غيره، هو الذي نفَذَ إلى عمقك، وأحسّك بشيء لم تجربه قبلُ، أو لم تكن تغوص في كنهه، وتدرك حقيقته العميقة أو الأليمة أو أيا كانت حقيقته، حسب اختلاف الأشياء والتجارب.

إن فرادة مثل هذه التجربة ليست في جِدّتها، ولكن في عمقها وأثرها الذي ينقلك من حالٍ إلى حالٍ، وهذا الانتقال المعنوي هو جوهر السفر كما يؤكد الرافعي إذ يقول: “لا تتم فائدة الانتقال من بلدٍ إلى بلدٍ إلا إذا انتقلت النفس من شعورٍ إلى شعور، فإذا سافر معك الهم فأنت مقيمٌ لم تَـبرَح”.
في حقيقة الأمر، كثيرةٌ هي تجارب السفر التي خضتُها ومتنوعة، ولا يزال السفر يثير شغفي، ويحظى باهتمامي. لكنَّ بعض التجارب، خاصةً، تدفعني، بإلحاح، للعودة إلى محاولة استذكارها، أو إعادة قراءة ما كتبته حولها، ومن هذه التجارب تجربة السفر إلى كلٍّ من غينيا وغزة وسوريا. وميزة هذه التجارب أنها كانت في مرحلة زمنية متقاربة، وفي ظروف متشابهة، وتظافرت كلها على تأكيد دروس متشابهة ومتكاملة.

من الطبيعي أن تكون بداية علاقتي بالسفر خجولة، ككل البدايات، خاصة بالنسبة لشخص مغربي نُشّئ في ثقافة اجتماعية ربّت فيه سلوك الحذر والحيطة والتروي، شخص له مخاوفه المتعلقة بالتربية الاجتماعية، ومخاوفه المتعلقة بنمط شخصيته، كشخص محب للانطواء والابتعاد عن الضوضاء، وإيثار الملاحظة الهادئة من بُعْد. وما من أحد منا إلا وله خصائص تميز نمط شخصيته، وله تحدياته الخاصة، وعقده النفسية التي تَقف حاجزا ومانعا له من تحقيق ما يرنو إليه. ولمواجهة كل هذا، اخترتُ السفر وسيلة لي في ذلك، قصد التحرر من كل هذه التحديات والعقد: التربية الحذرة، والخوف من المواجهة، ومن الحديث أمام الناس، ومن المضي في حلم بدا، أول الأمر، بعيدا. وميزة السفر أنه يعطيك هذه الفرصة؛ لأن الأمر في السفر أن الناس لا يعرفونك معرفة شخصية، فتقل مخاوفك التي كانت تكبلك وأنت في وسط اجتماعي يعي نواقصك ومخاوفك.

كان من أوائل أسفاري إلى الخارج سفري إلى غينيا، وذلك سنة 2007، لا زلت أتذكر ذلك الخوف الشديد الذي تملكني وأنا أتوجه إلى المطار رفقة والدي، كان قصدي بالأساس أن أواجه ذلك الخوف: الخوف من الحديث أمام الناس، ومن خوض مغامرات لم أعهدها في سابق أيامي، كان سفري من أجل التدريس في كلية الطب هناك في كوناكري، في ظروف شديدة الخطورة، حيث العصيان المدني مستمر، ومحاولات الانقلاب وغير ذلك من المحاذير التي يكفي المحذر الواحد منها في ترجيح كفة عدم الذهاب، لكن تحديت كل ذلك وذهبت.
لم يكن أهم ما تعلمته في هذا السفر أنني اكتسبت قدرة على الكلام أمام الناس، ولا تجاوز مشكلة عدم السلاسة في الحديث بسبب مشاكل التأتأة التي كنت مصابا بها في صغري. ولكن أهم ما تعلمته في هذا السفر كان عن إدراك مرارة الظلم ومعناه؛ الظلم هنا كان غيرَ ما قرأت عنه في الكتب؛ لأنني وقفت على حقيقته، ورأيته بأم عيني؛ وليس الخبر كالعيان، وليس مَن رأى كمَن سمع، كما يقال. كانت دهشتي، بل صدمتي كبيرة جدا؛ كيف لبلد يضم تحت أراضيه كنوزا ومعادن لا تقدر بثمن، أن يعيش في هذا التخلف الاقتصادي الشديد؟!
كان مما أسهم في شدة هذه الصدمة أنني، كنت قرأت قبل سفري بأيام، كتاب المهدي المنجرة “الإهانة في عهد الميغا إمبريالية”، والذي كان بدوره صدمة ثقافية بالنسبة لي. شابٌّ في مقتبل العمر، يعيش في عالمه الخاص، لا يبالي ألْـبتَّةَ بفهم ما يدور في محيطه، سواء الوطني أو الإقليمي، فضلا عن الدولي؛ شاب في عنفوان الشباب يرى أن كون الأمورِ بخيرٍ هو أن تكون كذلك بالنسبة له هو، وفي اللحظة التي يعيش، ثم يقرأ كتابا يزلزله ويشككه في كل رؤاه عن الأمور كيف هي في الواقع، وكيف يجب أن تكون. كان وقع الكتاب في نفسي كبيرا، وهو ما أشعرني بشيء من اليقظة، ودفعني لبدء رحلة البحث عن فهم هذا العالم، والمحيط الذي أعيش فيه.
نعم، يصعب على أي شخص، كائنا من كان، أن يفهم أو يتفهم، من غير أن يشعر بالمرارة، أن أرضا غنية بالكثير من المعادن النفيسة وتضم هذه الخيرات كلها، لا تستفيد منها، وتعيش هذا الوضع الاقتصادي الكارثي. وعوضا عن ذلك، تأتي دولة أخرى لا يربطها بهذه البلاد إلا علاقة الاستعمار والاستغلال، فتأخذ تلك الكنوز كلها، من غير وجه حق. نعم، أمر لا يمكن أن يُشعرك إلا بالإهانة حقا.

وبعد أن مر وقت قصير على عودتي من غينيا، كانت رحلتي الموالية إلى غزة، ولم تكن هذه الرحلة -والتي كانت في أصلها لغرض تقديم إسعافات طبية- إلا درسا تقويميا للدرس الذي استفدته من رحلتي إلى غينيا، وهو الوقوف على الظلم المجحف والبيّن، وذلك في العدوان الإسرائيلي على غزة أواخر سنة 2008؛ حيث كان يموت ما يقرب من مائة شخص كل يوم، وقد كنت حينها في بداية تخصصي في الجراحة. فرأيت دولة تهاجِم بالقنابل على دولة أخرى مستضعفة، ومائة واثنين وتسعين دولة أخرى تتابع وتتفرج، ولا مَن يحرك ساكناً.
في كتابه إنكار الموت، يؤكد عالم النفس إرنست بيكر أن أهم خوف يواجه الإنسان هو الخوف من الموت؛ باعتباره من آكد الحقائق في حياة الإنسان، فيحاول أن يتجاوزه بأساليب عدة، إما من خلال الدخول في قصة حب رومانسية يضفي عليها طابعا قدسيا، وإما باللجوء الديني الذي يقدمه له العزاء والتفسير اللازمين، أو القيام بإنجازات تتجاوزه، وتبقى بعد وفاته. لكنك حينما تذهب إلى غزة ستكتشف أن الناس هناك لم يعودوا يخافون من الموت بتلك الدرجة التي يتحدث عنها بيكر، لم يعد يرهبهم، بل تجده فقد هيبته بينهم؛ لأنهم يواجهونه كل يوم، وفقد عنصر الندرة فيهم. وإن كان فراق الأحباب والأهل يبعث على الرهبة في كل الأحوال.
والسؤال الذي يُلح على الإنسان إلحاحا في لحظة الاحتضار هو: هل عشت حياتي وفقا للمبادئ التي أؤمن بها وأظهرها للناس؟ أم انتكست وانحرفتُ عنها؟ المؤكد أن الذي عاش حياته كلها وهو يختلس “الميزنية” تلو “الميزانية”، و”الصندوق” تلو “الصندوق”، ليشتري في آخر عمره شقة في شارع الشانزلزيه، لن يعيش مطمئنا أبدا في حياته؛ لأنه، في نهاية المطاف، سيُواجه بهذا السؤال: هل عشتُ حياة شريفة؟ هل كانت لي مبادئ أدافع عنها؟ أم كنت عبيد الشهوات والمصالح المادية؟
شعب غزة، من خلال ما لاحظته آنذاك، لا يواجه هذا السؤال أبدا، ولا يتهمم له؛ لأنه يعيش لقضية تُشغله، وهي قضية لا يَشك أحد، له أدنى مُسْكة من عقل، في كونها عادلة، ولأجل ذلك فإنه يعيش مطمئنا. والأغرب من هذا، أنك تجد بعض العائلات هناك تتبادل التهاني بمناسبة استشهاد أحد أفرادها، ولعلك إذا رأيتَهم حسبتَ أنهم في عرس، وليسوا في عزاء، وهذا كله يصعب تصديقه، لولا أنني شاهدته بأم عيني.

وبعد انطلاق الحراك العربي في 2011، وبعد أن مرت ثلاث سنوات على رحلتي إلى غزة، انخرطت في قافلة طبية أخرى إلى سوريا، كانت ظروف الرحلتين شبيهةً، وإن كانت المخاطر في رحلة سوريا أشد وأكبر؛ لأن العدوان هناك كانَ أشدَّ، ولم تكن الحرب واضحة المعالم، لتُعرف الأماكن التي تُستَهدف بالقصف فتُتَجنّب. أتذكر أننا كنا ننام ونحن بين الرجاء من النجاة، والخوف من أن لا نستيقظ مرة أخرى! وعيش هذه اللحظة علّمني أشياء كثيرة، أهمها أنني تعلمتُ أن أستغل كل الإمكانات المتاحة لي، عوض التفكير في الممتنع عني. وهذا درس كبير، فكَم هي كثيرة، تلك الإمكانات التي لدى كل واحد منا، والتي يمكنه الانخراط فيها وإخراجها من كونها إمكانات كامنة إلى أشياء حقيقية واقعية. ولكن الخطأ الذي نقع فيه دائما أننا لا نرى الإمكانات، ولا نركز عليها، وإنما تركيزنا منصب في الغالب على الممنوع عنا، وهذا خطأ في التفكير لا يحتاج إلى مزيد إطالة في البيان؛ إذ الذي يحدث غالبا أنه ما من الإمكانات المتاحة استفدنا، ولا جعلنا الممتنعَ ممكنا. وفي كثير من الاحيان، يكون هذا الممتنع غيرَ مستحق لكل تلك الحروب التي نخوضها من أجل تحقيقه، فنُضيّع الوقت والجهد في سبيل تحقيق أشياء ممتنعة، لو فرض أنها تحققتْ، فهي لا تستحق ما بُذِل من أجل تحقيقها، فكيف إذا لم تتحقق أصلا.
وهنا، وفي مثل هذه الحالات، تتعلم كيف تعيش اللحظة، وتتخلص من الحزن والخوف، الحزن على الماضي، والخوف من المستقبل، فالماضي ماضٍ لا يعود، والمستقبل في علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلا الله، فليس أمامك إذن إلا أن تعيش اللحظة والآن، بحكم أنه المتاح لك. وفي مثل هذه الحالات ستدرك أنك كلما كنتَ أقل تمسُّكا بالحياة، وأقل حرصا عليها، كنتَ أكثر سعادة وأكثر استمتاعا بها، وتلك مفارقة عجيبة.

وعلى سبيل الختم أقول: إن متعة السفر لا تكون في الوصول إلى بلد معين واكتشاف ثقافته، وإنما في رحلتك إليه، وهذه من القواعد؛ فالسعادة في السعي إلى السعادة، وليس في السعادة في ذاتها؛ بل من المفكرين من يذهبون إلى أن “أسوأ ما يمكن أن يقع لنا هو أن نحقق، يوما، شيئا ربطنا به سعادتنا!” لأنه ليس بعد ذلك إلا الضجر القاتل. ولعل هذا من الأسرار في أن الله لم يجعل الكمال في مقدور الإنسان؛ إذ يعيش الإنسان حياته كلها وهو يسعى إلى الكمال، ويموت دون أن يصل إليه…وما يجب أن يصل إليه.