غربة..أول رمضان بعد أحداث نيوزيلاندا

334

ينتظر مسلمُو العالم حلول شهر رمضان لتطهير أرواحهم من ضغوطات السنة والمشاعر السلبية التي ترتّبت عن تلك الضغوطات. فهو شهر الراحة النفسية والتغذية الروحية والتصالح مع الذات عبر العبادة والتفكّر والتدبّر. وأنا مثل سائر المسلمين، لستُ أقلّ حماساً وترحيباً بهذا الشهر الفضيل. أنتظره كلّ سنة لتضميد جروحي والتّجرّد من ماديات الحياة قليلا مُقابلَ التفرُّغ للعبادات أكثر. وطبعا كأي مغتربٍ، أُلملمُ كلّ التفاصيل التي بين يدي كي أصنع الطُقوس المطلوبة وأفرح بها.

كانت أول ليلة من ليالي رمضان هذه السنة مُختلفة؛ وأنا أدخل إلى مسجد الحي الدافئ مع صغره، لاحظت وجود سيارة شرطة أمام باب المسجد. استغربت قليلا! لم يسبق لي أن رأيتُ مثل هذا المنظر من قبل. زاد استغرابي عندما وجدتُ باب بيت الله مقفولاً بينما كان دائما مفتوحاً مُشعاً ومُرحِّباً بزُواره خاصة في رمضان! سحبت الباب ولم أُدقّق كثيراً. سلّمتُ على من أعرفه ومن لا أَعرفه ووجدتُ لنفسي أقربَ رُكنٍ للإمام.

قبل إقامة الصلاة بدقائق، أخبرنا أحد القائمين على المسجد أنهم رَأوا رجلاً مشبوهاً يحوم حول نواحي المسجد بالأمس ممّا جعلهم يبلغوا رجال الأمن الذين قرروا البقاء أمام المسجد في وقت التراويح وصلاة الجمعة طيلة شهر رمضان حرصاً على حمايتنا. كما قرّروا إبقاء باب المسجد مُغلقاً طوال فترة الصلاة ومنحونا رمزا سريّا للدخول إلى المسجد في حال حضر أحدنا بعد بداية الصلاة. لم أتوقع أبدًا سماعَ ما سمعته في أول ليلة من ليالي التراويح التي كنت أنتظرها بشغف منذ سنة!

كنتُ لم أنسَ بعدُ الأحداث الإرهابية التي حلّت بمساجد كريست شورش بنيوزيلاندا. في الواقع كنت أنتظر رمضان كي أُضمد جُرح ذلك الحادث. عادة، ومع كثرة مثل هذه الأحداث الشنيعة، أحزن بضعة أيام على الناس الأبرياء الذين قُتلوا بغير حق وأتجاوزه. ولكنّني لم أستطع تجاوز حادث نيوزيلاندا. كان هذا أول حادث إرهابي يُرعبني! لم تُخفني قطّ مثل هذه الأحداث لأنّ الخوف لا يُمثّل لي أي حلٍ ولا يساعدني على السير إلى الأمام كما أرغب دائماً. فقط أستمر في السعي وراء أهدافي والتي من بينها نشر السلام والحُب كما علّمني الإسلام.

أرعبني ذلك الحادث لأنّي منذ فترة بدأت أُعلّم أطفال الجالية المُسلمة اللغة العربية في المسجد. أعمل جاهدة على زرع قيم الحب والتَّآخي والسلام فيهم، أعلّمهم قيَم الإسلام! تتراوح أعمار تلاميذي بين الثلاث سنوات والست عشرة سنة. يغمرهم الذكاء والطموح والخلق الحسن. أرى فيهم نورَ قمرٍ ممتلئٍ شامخٍ مثل قمر شهر رمضان في سماء صافية. تربطني بكل واحد منهم علاقة خاصة؛ صرتُ معهم أُمّاً وأُختًا وخالة. يجعلونني أشعر بالكثير من المشاعر اللطيفة…

بعد حادث نيوزيلاندا، صار يأخذني الخيال بعيدا وأتساءل ماذا لو حدث في مسجدنا عمل إرهابي مُماثل؟ كيف سأتصرف؟ من سأَحمي وبمن سأُضحي؟ هل سأكون كافية؟ فأنا أريد حمايتهم جميعَهم، أريد حماية تعبي معهم لكي يكونوا الأفضل، أريد حماية تعب آبائهم الذين يُحضرونهم إلى المسجد رغم زحمة الحياة في هذه البلاد السريعة. وماذا عنّي؟ ماذا عن تعب والديّ في تربيتي ووصولي إلى ما أنا عليه؟ ماذا عن تعبي مع نفسي كي أصبح من أكون؟ فلأفكر الآن، رُبما لا يترك لي الإرهابي المجال لأفكر في كل هذه الأمور لاحقا؟

أرجع إلى الواقع الجميل بين ألوان الأقسام الصيفية وآيات القرآن الكريم المنقوشة على جدران مسجدنا وحماس تلاميذي وأسئلتهم التي تَكْبُرهم. لم أُحَدثهم أبدا عن الإرهاب لأنّي لا أعرف كيف أشرح لهم هذه الظاهرة المعقّدة. لا أُريد أن أُربك تفكيرهم النقي والبسيط. ليس هناك ما يُشرَح وليس هناك ما يُفهَم عن الإرهاب خاصة في بيت السلام! صرت أخاف عليهم من كل ما يحيط بهم، من مدرستهم وجيرانهم وأصدقائهم ومن خُبث التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي.

أُدرك أن الخوف لن ينفعني في شيء، فقط يسرق منّي لذّة تلك المشاعر اللطيفة وها هو ينتهك حُرمة رمضان أيضاً. في كل فُرصة تُتاح لي، تدور عيني وينقبض قلبي حين أرى طفلة تلعب بعيداً عن صفوف الصلاة. أُحاول إسكات صوتٍ في داخلي يصرخ ويُنادي الطفلة ألا تبتعد عنا فقد يُهاجمنا إرهابي!

ولكن كفى! من الآن فصاعدا سأُسكت ذاك الصوت الداخلي، فلتلعب الطفلة حيثما تشاء ما دام اللهُ فوقها. سيزول الخوف وسننتصر على الإرهاب. لن نسمح بسرقة فرحة رمضان منّا. فليقف رجل الشرطة أمام باب المسجد مشكورا وليُقفل الباب في وقت الصلاة كما يجب من أجل حمايتنا. سنُصلّي ونتخشّع ونُشبِعَ أرواحَنا العطشى. سنتعلّم القرآنَ واللغةَ العربية ودروسَ الإسلام في مسجدنا الجميل. سنسعى من أجل السلامِ والحُبِّ رغماً عن أنف الإرهاب.
سأُعلّمُ تلاميذي ألا يخافوا لأنّ الله معنا!