لا…لن أكتفي!

343

سألتني أمي ذات مرة وأنا منهمكة في قراءة كتاب بين يدي: ماذا تقرئين يا ابنتي، ألا زلت تقرئين وقد أنهيت دراستك واشتغلت؟ جدير بالذكر أن أمي لم تظفر بفرصتها في التعلم وهي صغيرة، مع ذلك، لم يكن سؤالها من باب جهلها بأهمية القراءة، إنما كان من باب قلق الأم على ابنتها، فهي من أكثر الأشخاص الذين عاشوا معي معاناة فترة الامتحانات طوال مساري الدراسي.

لكن ثمة حقا أناس متعلمون، بل وحاصلون على شهادات عليا لا يدركون أن القراءة لا تتوقف بمجرد التخرج أو إنهاء الدراسة، بل يؤمنون أن أي قراءة خارج هذا الإطار لا تسمن ولا تغني من جوع. بالنسبة لهؤلاء، القراءة لا تعدو أن تكون مجرد عملية روتينية تجريها ذاكرتهم قصيرة المدى في كل مرة يُقبلون فيها على اجتياز اختبار ما، بالنسبة لهم هي مجرد وسيلة تضمن لهم الحصول على تأشيرة الولوج لميدان الشغل، ومتى حصلوا عليها، صارت معها القراءة ذكرى من ذكريات الماضي.

يعتقد معظم الناس أنه بمجرد تعلمهم فك بعض الكلمات باللغتين العربية والفرنسية خاصة، فضلا عن قدرتهم على حل بعض المعادلات والمسائل الرياضية، مع حفظهم لبعض الأحداث التاريخية، يكونون بذلك قد تحرروا من سجن الجاهلين ودخلوا نعيم العارفين، والحقيقة أن اعتقادهم هذا هو الجهل بعينه. فالحياة في الحقيقة ليست مجرد أحرف وأرقام، ولفهم نواميسها لا يكفيك تعلم أبجديات الكتابة أو حل بعض المعادلات المعقدة، إنما هي أعقد وأعمق من ذلك، بل أكاد أجزم أنه لتفهم الحياة حقا لا تكفيك حياة واحدة.

ثمة أمور كثيرة عن الحياة لن تعرفها إلا بمزيد من القراءة، ولعل كلمة “اقرأ” التي خاطب بها ربنا عز وجل حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، هي أكبر دليل على ذلك. فقد نزلت هذه الكلمة لتعلمنا أن القراءة هي مفتاح كل معرفة، ولا شك أن تلك هي الحكمة من نزولها أولا قبل أي كلمة أخرى. فالله سبحانه وتعالى أرادنا أن نعرفه قبل أن نعبده، كما أراد أن يعلمنا أن معرفته لا تتحقق إلا بالقراءة، وبالتالي فإن نفس القاعدة تنطبق على كل شيء آخر في الكون. هذا الكون العظيم بمجراته الهائلة وبجباله الشامخة، وببحاره التي لا تنضب وبكائناته العجيبة، لا بد وأنه يحرك فيك ملايين الأسئلة. فضولك الملح هذا لمعرفة كيف ولماذا وأسئلة أخرى، لن يغذيه شيء غير القراءة، فهي ملجأ العقول الحائرة.

من عجائب القراءة، أنه مهما بلغ رصيدك منها فإن شغفك بها وحبك لقراءة المزيد يزداد أكثر فأكثر. ولو أنك اعتكفت في أكبر المكتبات في العالم والتهمت رفوفها بكتبها ورواياتها ومجلداتها وموسوعاتها، فإنك حتما لن تكتفي. فكما أن الإنسان بطبعه يميل إلى الحصول على المزيد في كل شيء، كحاله مع الطعام والمال والجاه والنوم…فإن القارئ بطبعه كذلك تغدو رغبته في قراءة المزيد جزءا من طبيعته الشخصية. غير أن الفرق بين طلب الإنسان الزيادة في العلم (القراءة) وبين رغبته في الحصول على المزيد في الأمور الأخرى، يكمن في أن الأولى تحقق له ارتقاء بالفكر بينما في تحقيق الثانية استعباد للذات. ولعل نزول الآية الكريمة {وَقُلْ رَبِّي زِدْنِي عِلْماً} دلالة واضحة على فضل العلم على عكس الأمور الدنيوية الأخرى.

من عجائب القراءة كذلك، أنه كلما توغلت فيها أكثر كلما اكتشفت أنك لا تعرف شيئا. وقد يُوَلِّد لديك الأمر أحيانا شعورا بالغباء والإحباط، بل سيظل يلازمك ذلك الإحساس، حتى وأنت غارق في بحور المعرفة، بأن بينك وبين هذه الأخيرة ملايين السنوات الضوئية. لكن لا بأس بذلك، فأن تعرف أنك جاهل خير من أن تعيش حياتك كلها وأنت تظن نفسك تعرف كل شيء.

إن وهم المعرفة لهو أسوأ من الجهل، وما أخطره عندما يكون مصحوبا بالغرور، والحقيقة أن كل المعرفة التي قد تدعيها بالكاد تكفيك للاستمرار في الحياة. ثمة فجوة كبيرة بين ما تعرفه حقا وبين ما تظن أنك تعرفه، لهذا، تذكر دائما أن المعرفة الحقيقية الوحيدة هي أن تعرف أنك لا تعرف شيئا، كما جاء على لسان الفيلسوف الحكيم سقراط.

لهذا يا أمي لن أكتفي أبدا من القراءة. فنعم، سأظل أقرأ مادامت لي عينان تبصران ومادام عقلي لا يتوقف عن التفكير، سأظل أقرأ إلى أن تجف كل الأقلام وتختفي كل الكلمات، سأظل أقرأ لأنني لا أستطيع أن أحيا إلا بالقراءة ومع القراءة.
لست أحشر نفسي في زمرة المثقفين ولا العارفين، ولست أدعي الثقافة ولا المعرفة، فأنا جاهلة تعترف بجهلها، وسأظل أحارب جهلي بالقراءة مادام قلبي ينبض بالحياة.