هل من الضروري حقا أن تسير حياتنا في خط مستقيم؟

254

تقول الأسطورة: إنه على الفرد أن يكون منضبطا منذ الطفولة. يجب أن يدرس جيدا وأن يكون مؤدبا، أن يُحصّل نقاطا جيدة كي يكون ضمن فئة المجتهدين وعليه أن يسير على هذا المنوال حتى يتمم جميع مراحل التعليم، بعد ذلك يجب عليه أن يَحصل على وظيفة جيدة كي يكون شخصا صالحا في نظر المجتمع. فحصوله على مستوى دراسي ممتاز وثقافة فكرية عالية غير كافيين إذا لم يضمن وظيفة تدِر عليه دخلا قارا. ثم بعد ذلك عليه أن يفكر بالاستقرار الذي لا يتأتى إلا بالزواج. ثم بعد الزواج عليه أن ينجب أطفالا وإلا ستتحول حياته هو وزوجته، بالأخص، إلى جحيم لا يطاق من كثرة الأسئلة التي ستتوجه إليهما في كل مناسبة.

هكذا يجب أن تكون حياة الفرد الناجح حسب الأسطورة، وكل خلل في هذه السلسلة سيسبب لك التعاسة لامحالة، وستجد نفسك في كل مرة مضطرا للشرح والتفسير. لماذا لم تكمل دراستك؟ لماذا لم تحصل على وظيفة وقد أتممت الدراسة؟ لماذا لم تتزوج بعد وأنت تملك من المال ما يضمن لك الحياة السعيدة؟ لماذا لم تنجب بعد وأنت متزوج منذ مدة؟ لا يشعر العالم من حولك بالراحة إلا بعد أن يتأكدوا من أنك تعيش حياة تشبه حياتهم. آنذاك تدخل في دوامة النسيان ولا يسألونك عن أحوالك ولو على سبيل المزاح؛ لأنهم يعلمون جيدا أنك تُعاني مثلهم فحياتك صارت تشبه حياتهم، يبقى دائما اختلافك واختيارك لطريق لا يشبه طريقهم مصدر قلق وإزعاج لهم، فهم يخافون أن تنجح باختلافك وتصنع حياة لا تشبه حياتهم النمطية، خوفهم يدفعهم إلى الاستمرار في التشويش على أفكارك وتحطيم أحلامك وإحباط مجهوداتك.

تفشي هذه الأسطورة في المجتمع يخلق لدى الفرد تخوفا يرافقه منذ الطفولة؛ تخوف من ألا يجد لنفسه مكانا داخل ذلك القالب الجاهز، تخوف من أن ينحرف عن ذلك المسار الذي قيل له منذ الصبا أنه المسار الصحيح الوحيد. كل انحراف ولو كان بسيطا يقود الفرد إلى الاعتقاد بأنه فاشل وغبي ولا يصلح لأي شيء، وذلك لأن طريق النجاح الوحيد الذي رسمته له الأسطورة لم يستطع السير عليه. أنت عاجز لأنك لا تستطيع السباحة ولكنك خبير في الطيران، غير أنك لا تستطيع رؤية ذلك لأنه تمت برمجتك على كون السباحة هي سبيلك الوحيد إلى النجاح. تضع الأسطورة ضمادة سوداء على أعين الأفراد حتى تقودهم في طريق واحد؛ سواء أكان ذلك الطريق يناسبهم أم لا.
إن الخطير في هذه الأسطورة هو أنها جعلت الأفراد يفكرون بطريقة واحدة، معتقدين أن ذلك الطريق سيستوعبهم جميعا، غير واعيين، البتة، بأن لكل فرد منا طريقه الخاص، بل أحيانا يتوجب علينا أن نصنع الطريق الذي يناسبنا، تجعلنا الأسطورة نسعى جاهدين للالتحاق بركب لا ننتمي إليه، نستغرق وقتا طويلا ونستثمر طاقات جبارة في أشياء لا تناسبنا، وعند فشلنا نعتقد أننا أغبياء ولا نصلح لشيء أبدا. في حين أنه لا وجود لشخص غبي أو بدون فائدة، بل نحن حلقات مهمة وغياب أي فرد كيفما كان سيشوه الصورة النهائية، كل ما في الأمر أن الأسطورة اللعينة تحجب عنا الرؤية الصحيحة للأمور.

نعيش في مجتمع لا يساعد الأفراد على التعرف على قدراتهم ومهاراتهم، بل يجعلهم يؤمنون أنهم لا يصلحون لشيء سوى للشقاء والكد من أجل لقمة عيش بسيطة، وسقف يأويهم وملابس رثة تستر عوراتهم. مجتمع لا يساعد أفراده على التحليق عاليا وكأنهم حُكِموا بالسجن مدى الحياة. والعجيب أنهم يقصون أجنحة كل من حاول التحليق. كل شيء في مجتمعي يشدك نحو الأسفل ويجذبك في اتجاه السفح. تعيش جل حياتك وأنت تعتقد أنك لا تستحق أكثر مما أنت تتمتع به؛ لدرجة أنه قد تأتيك الفرصة لتعيش حياة أفضل بكثير من حياتك الذليلة، لكنك ترفضها لأنك تفتقد للجرأة الكافية معتقدا أنك لا تستحقها. استُصغرنا لدرجة أصبحنا عاجزين عن المطالبة بأبسط حقوقنا، بل أصبحت تلك الحقوق تبدو لنا أحلاما يجب العمل على تحقيقها. نجح مجتمعنا في جعلنا نرى حقوقنا أحلاما، فأصبحت بذلك الأحلام معجزات لا يمكن أن تتحقق إلا في الأحلام.

أحاول أن أصل إلى نقطة أساسية مفادها أن طريق النجاح ليس واحدا أبدا، وأنه كي تكون ناجحا لا يعني أن تؤمن بالأسطورة وتقيس عليها نجاحاتك وفشلك. لكل منا قدراته الخاصة وميولاته الشخصية التي تميزه عن غيره وطرق النجاح التي تلائمه، وكل منا يستطيع أن يحقق النجاح بطريقته المناسبة وفي المجال الذي يميل إليه، ولا يمكن أن نكون جميعا أطباء أو أساتذة أو رجال أمن أو سياسيين، بل هناك منا من سيكون نجارا محترفا أو رساما ماهرا، ومنا من سيصنع من موهبته مسارا متألقا، وهناك من سيحقق نجاحا مبهرا بعيدا عن مجال العلم والكتب، بهذا الاختلاف وحده نصنع صورة كاملة وجميلة.

لا مقياس للنجاح ولا معيار للذكاء، فكل منا متميز بطريقة ما، وكل ما علينا فعله هو التخلص من تأثير الأسطورة والتركيز على دواخلنا واتباع ميولاتنا.
ويظل الاجتهاد والعمل بجد مع المثابرة والإصرار من مفاتيح النجاح والتألق.