إلى من يجلدون الناس بسياط الكلام

355

إنَّ للكلمة حرمة، هي ﻛﺎﻟﺴﻴﻒ، قد ﺗﺆﻟﻒ ﺑﻴﻦ ﻗﻠﺒﻴﻦ، ﻭقد ﺗﻔﺮﻕ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ، ﻛﻠﻤﺔ ﺗﺠﺒﺮ ﻗﻠﺒﺎً ﻣﻜﻠﻮﻣﺎً، ﻭﺃﺧﺮﻯ ﺗﺪﻣﻴﻪ ﻣﻦ ﻓﺮﻁ ﺍﻷﻟﻢ ﻭﺍﻟﺤﺰﻥ، ﻛﻠﻤﺔ قد ﺗﻨﺼﺮ ﺍﻟﻤﻈﻠﻮﻡ، ﻭﻛﻠﻤﺔ ﺗﻌﻴﻦ ﺍﻟﻈﺎﻟﻢ، هناك كلمات تسلط النور على قلبك تسعدك لتستمر، بالمقابل قد تطرق أذنيك كلمات تجرحك وتؤذيك سواء عن قصد أو عن غير قصد. يحكى أن الإمام الشافعي كان في أول أمره مهتماً بالشعر، فكتب بيتاً اطّلع عليه مصعب الزبيري فأخذ بيده وقال: أوتيت حظاً من الشعر يا شافعي، فأين أنت من الفقه؟ فوقع ذلك في قلبه. هذه مجرد كلمة أخذته من طريق الشعر، وألقته في طريق الفقه فصار من كبار علماء المسلمين، هذه كلمة لم تغير واقع رجل فقط بل غيرت واقع أمة كاملة.

ولكن في الجانب الآخر المظلم قد تؤدي كلمات إلى نتائج وخيمة. قد تجد المرأة مثلاً سعيدة في بيتها ومع زوجها، تعيش في ستر مع قلة ذات اليد إلى أن تأتي إحداهن، فتأجج الوضع بمجرد كلمة، كيف تصبرين على هذا؟ انظري إلى فلانة، كل مناسبة ثوب جديد، تسافر في كل عطلة، فتفتح لها بذلك باباً كان مغلقاً. يكون الرجل صابراً في عمله، راضياً بوضعه، قنوعاً بما يملك، فيأتي من يقول لا بأس أن تأخذ كذا وكذا، وتقدم الخدمة لهذا وذاك مقابل كذا وكذا، هكذا نعمل على تخريب بيوت وزرع عدم الاستقرار داخلها بمجرد كلمة. تجد أحيانا من ينهال على زوجين بكلمات كأنها لكمات كما قال أدهم شرقاوي أحد أبرز مدوني العالم العربي: “لمَ لم تنجبوا بعد؟ فلان وفلانة أنجبا مع العلم أنهما تزوجا مند مدة فقط! وكأن الذي أنجب قد أنجب بقوته، والذي لم ينجب إنما بكسله، من قال إنهما لا يتشوقان لولد، من قال لكم إن فلان الذي بلغ مبلغاً من العمر ولم يتزوج، وفلانة التي تجاوزت الثلاثين ولم تتزوج هما على ذلك الحال بإرادتهما، من قال لكم إنهما لا يرغبان في ذلك، أليس من الواجب أن ندعو لهم، أليس من الواجب أن نخبرهم أن الأولاد رزق من عند الله، وأن الله يرزق الفتى والفتاة الزوج الصالح، والزوجة الصالحة في وقت معين لحكمة، ويمنع ذلك لحكمة”.

من قال لكم إن الذي لا زال يتابع دراسته لا يريد أن يعمل، من قال لكم إن الدراسة لردح من الزمن ستتسبب له الهذيان في وقت ما، أليس من الأجدر أن تشجعوه على الاستمرار، أليس من الضروري إن لم يكتب له النجاح في هذه المباراة أو تلك أن تخبروه أن الأرزاق بيد الله وكل شيء بأجل، ورزقك آتيك آتيك، عليك فقط أن تجتهد.
قد تجد أيضا شابا راضياً بوضعه المادي، فيأتي بعض الأصدقاء ويؤججون الوضع، فيقول أحدهم: هل أنت راضٍ بما يعطيك والدك؟ أما زلت صغيرا لتعود في الوقت الفلاني للمنزل؟ كن رجلا يا هذا! حسناً يا صديقي، سيطيعك ويضرب والده، سيصرخ في وجه أمه من أجل إرضائك، نفس الأمر تجده عند الإناث تحرضها صديقتها بأن تمنع والدتها من أن تتدخل في ثيابها، تعلمها أن تتحرر. هؤلاء أعداء وليسوا صحبة، هم شياطين وليسوا بشر.

لذا علينا أن نحذر ﻣﻦ ﻛﻠﻤﺎتنا ولو كانت صغيرة ﺟﺪﺍً ﻓﺎﻟﺸﻌﺮﺓ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮﺓ ﻗﺪ ﺗﺴﺒﺐ ﻭﺭﻣﺎً ﺇﺫﺍ ﺳﻘﻄﺖ ﺑـعفوﻳﺔٍ ﻓﻲ ﺟﺮﺡٍ ﻣﻔﺘﻮﺡ. لا تقل ولا تقولي أنا هكذا، طبعي هكذا، احرص قدر المستطاع على ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ ﻛﻠﻤﺎتك، وقم بانتقاﺋﻬﺎ بدقة، فبعض ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ ﻗﺪ ﺗﺒﺪﻭ ﻟﻨﺎ ﻣﻌﺘﺎﺩﺓ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻗﺪ ﺗﻜﻮﻥ ﺑﻤﻴﺰﺍﻥ ﺍﻟﺴﻢ ﻭﺍﻟﺮﺻﺎﺹ ﻋﻨﺪ ﺃﺣﺪﻫﻢ.