لماذا الجراحة؟

1٬757

لا شك أن الحياة المعاصرة قد تعقّدت بشكل يَجعل من الصعب جدا على المرءِ أن يحدد المسار الذي سيَمضي فيه، وقد بيّنتُ هذا في مقالات سابقة، واقترحتُ بعض الخطوات لمواجهة هذا التحدي. وسيراً على عادتي في ربط ما أكتبُه بتجاربي الشخصية، فسأحاول في هذا المقال أن أحكي لك، أيها القارئ الكريم، عن أمرٍ يشغل الحيّز الأكبر من اهتماماتي، ويأخذ بالقسط الأوفر من شغفي، ألا وهو الجراحة؟ وسأركز فيه بالأساس على نقطتين اثنتين: لِمَ اخترتُ الجراحة؟ وفيمَ أفادتني؟

في الواقع، تبقى اختياراتُ كل واحد منا متأثرةً، بشكل أو بآخر، بظروف خارجية، لا يدَ له فيها، كالمحيط العائلي والقدرات الذاتية المختلفة ونمط الشخصية، وإن كان هذا لا يعني حتميةً سابقة على الوجود الشخصي؛ لأن هذه أمور يمكن تجاوزها بالوعي بها أولا، وبحسن التعامل معها ثانيا.
لما أعود إلى البدايات، أجد أنني ازددت في عائلة الطب؛ حيث إن والدتي طبيبة، وبالتالي منذ صغري ارتبطت بهذا المجال، في ألعابي ودفاتري وكتبي، وبالناس الذين كنتُ ألتقيهم وأراهم. وإن كانت والدتي لم تضغط علي قط لاختيار مهنتها، بل بالعكس من ذلك تماما، كانت تدفعني إلى اختيار ما يثير فضولي من غير الطب، حيث كانت ترى أن الطب مجال صعب. لكني مع ذلك كنت منجذبا إليه، بفضل احتكاكي بكتب الطب وأدواته منذ وقت مبكر من حياتي، وكانت جاذبيته أقوى من تحذيرات والدتي من صعوبات هذه المهنة وما يلازمها من كثرة الضغوطات.
إذا كان اختياري لمهنة الطب متأثرا بظروفي العائلية، وبانجذابي المبكر إلى هذا الميدان، واحتكاكي به، فيبقى مجال الطب واسعا، فكيف جاء اختياري للجراحة بالذات؟

كالعادة، عُدتُ إلى البدايات، وجدتُ أنني كنتُ في صغري أعاني من التمتمة، فكنت لا أحب الكلام؛ لأن تمتمتي تثير انتباه الآخرين، وربما سخريتهم أحيانا، فكان هذا مما دعاني إلى اختيار الجراحة؛ لأنها من تخصصات الطب التي لا تتطلب الكثير من الكلام، ولا تواصلا كبيرا مع الناس، فاختياري للجراحة متأثر برغبتي في تفادي الكلام الكثير مع الناس. فالأطباء الجراحون يأتون في المرتبة الثالثة من حيث كثرة الكلام، بعد الاستشاريين النفسيين الذين يأتون في المرتبة الأولى، والأطباء الذين يأتون في المرتبة الثانية، ويأتي علماء الأحياء في المرتبة الأخيرة؛ إذ يقضون غالب أوقاتهم في المختبرات لوحدهم.
وبالإضافة إلى التمتمة، فأنا شخص انطوائي –introvert إلى حد ما، -سبق لي أن نشرتُ مقالا حول الانطوائيين-، ولذلك لا أحب الحديث مع الناس كثيرا أو اللقاء بهم، فذلك يتطلب مني جهدا كبيرا ويستنزف طاقتي بشكل أكبر. وعوضا عن ذلك، أحب الاختلاء بنفسي والانشغال بالقراءة أو الكتابة ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

ومن الأسباب أيضا أنني كنت أعاني من اضطراب الحركة المفرطة وقلة الانتباه -ADHD-، ومعنى ذلك أنه يصعب علي التركيز على الأشياء الثابتة، أحتاج إلى حركية دائمة كي أستطيع التركيز. والجراحة تعطيني هذه الحركية وهذا الشغف للتركيز. ولذلك أجدني كلية في هذا المجال.
إن هذا الارتياح الذي أستشعره في ميدان الجراحة ظهر جليّا منذ البداية. فحين كنت بصدد الإعداد للتخصص، كنا نتلقى منحة حكومية لا تتجاوز مائتين وخمسين أورو، ومع ذلك كنت أقوم بالحراسة متطوعا، لأنني كنت منغمسا في هذا المجال، وهذا حال الكثير من الجراحين الذين أعرفهم، بحيث يصبح لديهم شيء أشبه ما يكون بالإدمان، إلى درجة أنني كنت أطلب من بعض أصدقائي أن يسمحوا لي بالحراسة في مكانهم لكي أحضر عملية جراحية ما.
لأجل هذا، كنت دائما أنصح الطلبة في لقاءاتي معهم أن لا يكون اختيارهم لما يختارونه من أجل المال فقط؛ لأن الاختيار لهدف المال وحده يجعلك تحكم على نفسك بمحدودية الآفاق؛ إذ سرعان ما ستكتسب المال، والمال حين تكسبه يصبح أقلَّ أهمية؛ لأنك تملكه، وحينها ستجد نفسك تدور في دوامة فارغة، وستكره ما تفعل. ولكن حين تختار فعلَ الشيء لأمور أخرى، لأنك تحبه، لأنك تجد فيه نفسك، ستنجح فيه، وحين تنجح فستُحصّل المالَ تبعاً، دون أن تقصد إليه أصالةً وابتداءً.

كانت هذه، إذن، بعض الأسباب التي أسهمت بشكل أو بآخر في اختياري للجراحة، وأما الأمر الأهم، وهو المتعلق بالمستفاد من هذا الاختيار، فيمكنني تفصيل الكلام فيه في بقية هذا المقال.
لعل أهم ما في الجراحة أنها تجعلك في تواصل دائم مع معاناة الآخرين، وتُطلعك على تمظهرات حبهم وتعلقهم بأحبابهم؛ ذلك أنه في كثير من الأحيان، نحن من نخبر الشخص أنه مصاب بالسرطان مثلا، وأنه سوف يموت قريبا، ولم يعد له من الوقت إلا القليل لكي يعيشه، ونرى ردود أفعالهم تجاه من يحبون، ونرى ردود أفعال عائلاتهم. ونرى كيف تتغير طباع الناس بسرعة، عندما يكونون مرضى يتَمَسْكنُون ويتواضعون، وحينما يصحون ينقلبون ويتجبّرون، وفي هذا الكثير من الدروس حول طبيعة الإنسان، ومنه تفهم قول الباري تعالى وتقدّس: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق:6-7] ولأجل هذا كان الطبيب، قديما، يلقّب بالحكيم؛ لتبصُّره بهذه الدروس حول الطبيعة البشرية.
ومن وجوه الحكمة في الجراحة أنك تقف على بديع صنع الخالق سبحانه، ذلك أنك ترى بأم عينيك كيف أن كل جهاز يؤدي وظيفته بسلاسة، وكيف أن وظيفة أي جهاز تتكامل مع وظائف الأجهزة الأخرى بشكل بديع وعجيب، وبمجرد وقوع اختلال بسيط في وظيفة أي جهاز إلا ويتأثر الكل به.
ومن الأشياء القيمة التي أفادتني بها الجراحة أنها جعلتني أستمتع بالسفر، وهو واحد من اهتماماتي المفضلة، إلى أماكن نائية جدا من وطني، أو أماكن يصعب الوصول إليها، كسوريا وفلسطين (وأندونيسيا)؛ مناطق تشهد حروبا وصراعات وكوارث طبيعية. والوصول أو الوجود في هذه الأماكن يعلمك أشياء جديدة، لا يمكن تجربتها في الأماكن العادية؛ فأنت حين تكون في بلد أجنبي يعيش حربا أهلية أو كوارث طبيعية، فإنك تنام ولا تدري أتستيقظ بعد ذلك أم لا، وتستيقظ ولا تدري أتنام بعد ذلك أم لا؟ وهذه تجربة تعلمك التشبت بالأمل، والشعور بالحياة وبالحب، كما أنها تجعلك تطل على وجه آخر للعالم غير الذي تعرفه في الوضع العادي.

والجراحة، أيضا، فتحت الأبواب أمامي لاكتشاف اهتمامات أخرى كانت جانبية، لكنها أصبحت لها أهمية كبيرة بالنسبة لي، كالقراءة والكتابة؛ فقبل الدخول إلى غرفة العمليات نحتاج إلى ساعة ونصف تقريبا من أجل إعداد المريض، وغالبا ما أقضي هذا الوقت في القراءة، وبعد الدخول إلى غرفة العلميات، أحيانا نبقى هناك لساعات، والأعصاب متوترة، وحين ننتهي يكون التعب والإرهاق والضغط قد بلغ منا مبلَغَهُ، وكل جرّاح وكيف يروح عن نفسه بعد ذلك. وأنا أختار غالبا  القراءة للترويح عن نفسي، وهذا أعانني كثيرا في اكتشاف اهتمام جديد، وهو الكتابة والتدوين.

والذي يهمك من هذا الذي سردتُه عليك عزيزي القارئ أشياء أربعة، أعيدها عليك لتتقرّر:
أولها: قبل اختيارك لاهتمامك الأول، تأكّدْ أن هناك رابطا نفسيا، يربطك به، تحبه، تجد راحتك فيه، وتعتز به؛
وثانيها: اختر لك شيئا يضفي المعنى على حياتك، وفي كل مرة، يضيف لحياتك شيئا جديدا؛
وثالثها: ليكن هذا الذي تختاره كائنا ما كان، لكن يجب أن يلائم نمط شخصيتك، ولا تستنسخ تجارب الآخرين؛
وأخيرا: لا يكن المال هدفك الأول، فرغم أن المال مهم جدا في الحياة، إلا أنه يبقى وسيلة، وليس غاية، دعْه يأتي بالتبَع، ولا تطلبه كغاية وهدف.