انس أنك تريد أن تنسى!

267

كنت أتمشى وحيدا في آخر النهار، واضعًا يَداي في جيوب سروالي الذي تعب مني لكثرة ارتدائي له، لأني لا أحاول البحث عن سروالٍ آخر في دولاب ملابسي الذي هو أيضا سئم مني، ومن الفوضى التي لم يحن الوقت بعد لترتيبها. كنت أشعر بالنعاس مع أن ملامح النهار لم تختف بعد تحت ستار الظلام. رأيت كرسيا فارغا فركضت مسرعاً قبل أن يسبقني إليه أحد، جلست ووضعت يداي وراء رأسي ورفعته للسماء أفكر، وعيناي ذابلتان تمكن منهما الأرق، حتى جاء رجل عجوز ألقى علي التحية وجلس، لاحظ أنني لم أرد عليهوقال لي مجددا: السلام عليكم يا ولدي أظن أنك لم تسمعني في المرة الأولى!

أجبته: وعليك السلام.
قال لي: أرى أن وجهك شاحب وعيناك متعبة، ربما أنك لم تنم جيدا في الليلة الماضية؟
قلت: له أمستعد للإصغاء إلي؟ أم أنك ألقيت علي التحية لأنك اعتدت على فعل ذلك فقط!
قال: تفضل، لا شيء سيمنعني من سماعك.
قلت له باندفاع: أنا يا سيدي إنسان أعيش على هذه الأرض تائها منذ مدة، أرى نفسي جديرا بتفسير كلمة النسيان، لو سألتني عنها سأجيبك أنه هاجس من الخوف اختار موطنه داخل خلايا عقلي، وأمسك بخيوط رأسي وصار يحركني دون إرادة مني، يجعلني أتشاجر ونفسي بصوت عالٍ غير مسموع، يختلق وساوس وأفكار تحولني من كائنٍ هادئ يشاهد العالم من شاشة الهاتف الصغيرة إلى كتلة من العصبية وثورة المزاج. أصير إنساناً مزاجياً عصبياً في لحظة واحدة وفجأة أهدأ. لأن ثورة الأفكار ما يحرجني، لأنني أردد كلمة النسيان أكثر مما أردد اسمي، أفكر فعلا في النسيان وأسلك كل طريق عساها تقودني إليه، لعلني أمحي أشياء، وأطرد تفاصيل كادت وتكاد تخنقني وتعكر علي صفو اليوم وتلك الجلسة الهادئة مع نفسي.

أنا إنسان لا أجد حلاوة في يومي لأن الأمس حاضر بكل تفاصيله وملامحه، وصور من أرشيف الماضي تمردت علي وظلت راسخةً في عقلي. أنا يا سيدي أنام كل ليلة على عتبات النسيان، وأقول لا بأس غدا سأنام على سريري وسأتستقر على حياة هادئة لا شيء فيها سيذكرني بالماضي، ولا حتى نفسي ستطمح لإتقان النسيان مرةً أخرى. كل ليلة نقيم حوارا صاخبا أنا وعقلي لعله ينسى قليلا ويتركني في سلام أعيش حياتي، لكن بلا جدوى، لا أنسى.
أنا شخص يظن أن النسيان كفيل بأن يمحو ذكريات عشتها، وقادر على هدم قصور من الخيبات بنيتها مع أحداث وأشخاص وضعوا لمساتهم في بناء تلك القصور، أريد أن أنسى بأي ثمن.

يا سيدي أخبرني الآن، أمعقول أن يكون النسيان بهذه القوة، وقادر على أن يطوي صفحات من الماضي مرسومة عليها ملامح الخيبات التي عشتها؟ هل يملك تلك العصى السحرية التي تقوم بإخفاء أشياء صنعت بداخلي متاهةً كبيرة؟ هل بوسعه أن يقتل كوابيس الماضي المخيفة التي تشوش علي إمكانية رؤية ملامح الغد؟

قال لي بابتسامة خفيفة أظهرت أكثر تجاعيد وجهه، وبصوت رزينٍ خشن: الإجابة توجد بداخلك أنت فقط، لو كنت تعيش يومك ببساطة وثقة نفس وكنت تؤمن بحلمك وهدفك في الحياة وتسعى لتحقيقه، صدقني كانت ستتكون بداخلك رغبة شديدة لاكتشاف جمال هذه الحياة، والتمتع بأبسط تفاصيلها. أنت تريد وبكل شدة إقناع نفسك أنك فعلا يوما ما ستتمكن من النسيان، لكن الحقيقة التي أدرت لها ظهرك ودائما تقوم بتجاهلها، هي أنه يوجد خيط قوي يربط ماضينا بحاضرنا، لا أحد منهما سينفصل عن الآخر، هذه هي فلسفة الحياة الغنية بأطروحات صاخبة يتراقص بداخلها الحاضر مع الماضي، ومهما حاولنا قطع ذلك الخيط ستُتَوّج جمع محاولاتنا بالفشل.

النسيان قريب جدا مني ومنك ولشدة هلوستك به لا تراه، هو شبيه بالفراشة المثيرة بألوانها وخفتها، كلما أردت الإمساك بها فرت منك وهربت بعيدا، فالذنب ليس ذنبها بل لاندفاعك الرهيب الذي أبعدها بعيداً. نفس الشيء يتعلق بالنسيان يا ولدي لكثرة شغفك به أقمت بداخلك فوضى من الأحاسيس المبعثرة، وقتلت روحك الجميلة الحالمة. انسَ أنك تريد أن تنسى ولاحظ كيف ستتغير حياتك، المعادلة هنا سهلة جدا يا ولدي، أنا الآن أخاطب فيك الشباب، اشغل وقتك، مارس كل هواياتك التي أهملتها، مارس رياضتك المفضلة حتى الغريبة منها مارسها ربما ستحبها؛ جرب أشياء جديدة في حياتك. لا تدع الخوف يحرك سلبياتك ويبقيك مكانك، اخرج من روتينك ومن فراغك؛ وهنا سأسطر بالأحمر على كلمة “فراغ” لأنها من تجعلنا نذوب ونهدر طاقتنا في التفكير السلبي، تخلص من فراغك فأنت الآن لست بحاجةٍ للنسيان بقدر ما تحتاج لواقع ناجح، وحياة سعيدة وبالٍ منشغل، لماذا تريد نسيان ماضيك أو تلك التفاصيل الحزينة أو الفاشلة؟ لا تنساها ولا تحاول ذلك، خُذْ منها العبرة وانطلق نحو أهدافك ونحو حياة جديدة. في الحقيقة ولكي أريحك أكثر لا أحد يتمكن من النسيان، لكننا نتناسى ونكمل ممارسة حياتنا للأمام، ولابأس إن تذكرنا بعض تفاصيل الماضي فهي تصبح حافزا لنا للتغيير والنجاح. فقد تكون هي ممرا سيقودنا للنجاحات المطلوبة. علينا فقط أن نحمل معنا حقيبة فيها دروس الأمس وحكم اليوم وملامح الغد، لنرسم بها خريطة حياتنا ونثبت بها جغرافية أحلامنا.

انس أنك تريد أن تنسى، لَوِّنْ أيامك بألوان الأمل، ودع النسيان في آخر اهتماماتك لكي يتحقق لك، ولا تجعله في المرتبة الأولى لكي لا تصبح أهدافك وأحلامك في المرتبة الأخيرة. والآن دعني أذهب لقد حل الليل واشتقت لفراشي. مع السلامة.
ذهب وتركني مندهشا لحكمته ورزانته، لقد زرع بداخلي إنسانا جديدا ورحل، لقد غير تفكيري ونظرتي للأمور بشكل جميل. نهضت لكي أذهب لحال سبيلي لأرتاح لأنني بحاجة لكي أنام ليلة متواصلة دون أن تقاطعني الأفكار السلبية، وسأستيقظ غدا باكرا لأرتب دولاب ملابسي وأرمي هذا السروال التعيس، وسأتمنى عندما أعود مرة أخرى لهذا الكرسي أن أجد ذلك العجوز الحكيم هنا، لآخد مجددا جرعة من إيجابيته فما أحوجنا كلنا لأشخاص مثله إلى جانبنا، سواء كانوا أقرباء أو غرباء.