السعادة متعتها في الرحلة وليست في الوصول

468

إذا أردنا تقديم تعريف للسعادة فسنجد أن مفاهيمها متعددة، سواء تلك التي شرعت من طرف متخصصين في مجال الفسيولوجيا أو الطاقة الإيجابية، الذين وضعوا تعريفهم على أساس بيولوجي بحت ووجدوا أنها نتيجة هرمون يفرزه الجسم يسمى بهرمون السعادة. ومنهم من يرى أن السعادة هي حالة مزاجية لدى الأشخاص تتولد نتيجة تأثرهم بالظروف والعوامل الخارجية المحيطة بهم. ناهيك عن مفهوم السعادة في القاموس الفلسفي.

لكن السعادة بمفهومها العام هو ذلك الشعور الداخلي بالفرح والسكينة، الذي ينعكس على الحالة النفسية للشخص مما يدفعه إلى النظر بطريقة إيجابية إلى محيطه وظروفه وإلى الحياة بصفة عامة، وبالتالي العمل بمقتضيات هذا الشعور الإيجابي والتجرد من كل ما له علاقة بالسلبية والتشاؤم.

في الحياة اليومية يسعى كل شخص جاهدا للوصول إلى تلك الدرجة من السعادة، كل حسب منظوره ومفهومه الذي رسمه لها؛ فهناك من يرى سعادته في جمع المال وإشباع ملذاته، والبعض تتجلى سعادتهم في تحقيق أهدافهم المرسومة للحياة، وهناك من يبحث عن سعادته في الوصول لحالة الشعور بالاستقرار المادي والعاطفي الذي يمنحه تلك الدرجة من الاكتفاء، وهناك من يرى السعادة في امتلاك الصحة الجسدية والروحية، وهناك من يكتفي فقط ببساطة إمكانياته الموجودة فيسعى بطموحه إلى السير قدما نحو تحسين ظروفه وتطوير ذاته ليصل بذلك إلى درجة من التصالح مع نفسه ومحيطه متجنبا أسلوب الشكوى والتذمر.

يقول تركي الحمد: “غريبة هِي الأيام، عندما نملك السعادة لا نشعر بها ونعتقد أننا من التعساء، ولكن ما إن تغادرنا تلك السعادة -التي لم نقدرها حق قدرها احتجاجاً ربما علينا- حتى تعلن التعاسة عن وجودها الفعلي فنعلم أن الألم هو القاعدة، وماعداها هو الشذوذ عن القاعدة، ونندم ساعة لا يفيد الندم على ما أضعنا وما فقدنا”

بمعنى أن السعادة قد تلزمنا وترافقنا في حياتنا اليومية ولا نلقي لها بال، قد تكون في هيئة بسيطة تتمثل في الأشياء الصغيرة المفرحة، أو المواقف والطرائف البسيطة التي نمر بها، أو في أشخاص يحيطون بنا ونتعامل معهم على الدوام دون أن ننتبه لاهتمامهم بنا أو تصرفاتهم اتجاهنا، كل هذه الأمور تكون حاضرة دون أن نعيرها اهتماما أو دون أن نشعر بها، فنجد أنفسنا نصب كل تركيزنا على لحظات الحزن تلك التى نمر بها فتضيع علينا فرصة الاستمتاع بفترات السعادة التي تكون بين أيدينا، وذلك راجع لاعتقاداتنا الراسخة والمتجذرة بأن السعادة هي شيء مرتبط بالوصول إلى نتيجة معينة أو حالة نهائية كي نتمكن من القول: إن السعادة تغمرنا الآن.

وعلى هذا الأساس يبدأ مفهومنا للسعادة بالانحراف عن مساره، ومع توالي السنوات نجد أنفسنا دائما ما نربط سعادتنا أو بالمعنى الأصح نؤجل سعادتنا إلى تلك اللحظة المناسبة التي ننتظر قدومها منذ أن بدأنا رحلتنا هاته على سطح الأرض؛ حيث أصبحت سعادتنا قرينة بتلك اللحظة التي سننجز فيها شيئا يستحق.

مثلا إذا حصلنا على معدل جيد في مرحلة الثانوية سنكون سعداء، أو عند ولوجنا إلى معهد أو جامعة مرموقة في المرحلة الجامعية سنكون سعداء، أو عند التخرج من الجامعة والحصول على وظيفة جيدة سنكون سعداء، أو عندما نتزوج وننجب أطفالا يملؤون البيت بحسهم سنكون سعداء، أو عندما نؤمن مستقبل أبنائنا سنكون سعداء…وقس على ذلك أمثلة كثيرة.

يبدو أن مفهوم “السعادة” أصبح اليوم في حاجة ماسة لإعادة تعريفه، ثم تقديمه من جديد للناس؛ فقد أصبح بسيطا لحد التعقيد، فكلنا نود أن نكون سعداء، لكن حين يسألنا شخص عن ما هي السعادة؟ لا نستطيع الإجابة بوضوح؛ لأن كثرة المفاهيم اختلطت وتعقدت، ما بين السعادة والرضا والرفاهية، وتخفيف الألم، والنجاة من المعاناة، والبحث عن حياة كريمة، والسعي وراء الرزق والمكملات التي تتطلبها كل رحلة من رحلات الحياة.

لا أظن أن سعداتنا مرتبطة بالوصول إلى الهدف النهائي من كل رحلة، بل السعادة الحقيقية متمثلة في الرحلة ذاتها؛ أي أنها شعور ممكن دائما؛ فهي لا تكمن في حالة الترف فقط؛ بل تكمن في بهجة الحياة حينما نحبّ، وحينما نبدع، وحينما نساهم في إحداث تغيير إيجابي داخل محيطينا؛ حيث إنه لا ينبغي أن نتأمّل الوجود وأن نرضى بالدفء بين أحضان منطقة الراحة والروتين؛ بل يجب علينا الذهاب دوما لملاقاة الحدث وتعلم الجديد. ذلك الحدث الذي يمنحنا القدرة على تغيير نظام العالم إلى الأفضل.

وفي هذا الصدد يعتبر الفيلسوف زيغمونت باومان أن السعادة هي بالدرجة الأولى كفاح وليست مكافأة، ومكابدة وليست فرحا دائما، وهذا هو سر الحياة.
فالحياة عبارة عن رحلة تتخللها مراحل عدة وإذا فكرنا أن عند نهاية كل مرحلة سنمارس طقوس السعادة فسنقع بدون شك في فخ الانتظار.
الحياة قصيرة جدا؛ لذا يجب الاستمتاع بمراحلها في حدود المتاح، ولا يصح تأجيل السعادة أبدا. فالسعادة تبدأ حينما يكون الإنسان صادقا مع نفسه، ومتعتها تكمن في الرحلة وليس في الوصول.